من علامات الانحدار المستمر للإمبراطورية الأميركية على الصعيد العالمي، التراجع المتزايد في قدرتها على التحكم بالحلفاء، وعلى إلزامهم بسياسات تتناقض مع مصالحهم القومية الحيوية. وما يضاعف من التبعات السلبية لهذا التطور بالنسبة إلى استراتيجيتها العامة وغايتها العليا، إدامة هيمنتها العالمية المنفردة، بناء حلفاء محوريين، كتركيا والهند، شراكات وازنة مع خصومها المتهمين بالسعي إلى تقويض زعامتها العالمية أو الإقليمية، كروسيا والصين وإيران. لم ينجح التهديد والوعيد تجاه الحلفاء من جهة، ولا «العروض السخية» والإغراءات من جهة أخرى، في حملهم على وقف الشراكات المذكورة والعودة إلى سياسات معادية للقوى الصاعدة الجديدة دولياً وإقليمياً. وما يضاعف من الحنق الأميركي، إمكانية تحوّل سلوك هؤلاء الحلفاء إلى مثال يحتذى من قبل حلفاء آخرين باتوا يضيقون ذرعاً بطريقة تعامل واشنطن معهم، التي ترى أن من حقها الزامهم بأولويات جدول أعمالها الاستراتيجي من دون أن تعير لأولوياتهم أي اعتبار.


تركيا وصفقة S400... والإيغور
سعت الولايات المتحدة دائماً إلى فرض ما يشبه احتكار السلاح على حلفائها، وهي سياسة قديمة سبقتها إليها الدول الاستعمارية الأوروبية، أي إجبارهم على شراء السلاح الأميركي حصراً، خاصة في مجالات كالطيران وأنظمة الدفاع الجوي والرادارات والاتصال والمراقبة، لتعميق تبعيتهم العسكرية حيالها. الاتجاه لكسر احتكار السلاح في هذه المجالات من قبل بعض الحلفاء حالياً يؤشر بنظرها على إرادة للحد من تبعيتهم العسكرية والسياسية لها تثير غضبها وتسبّب ردود فعل من قبلها تفاقم من تأزم العلاقات بينها وبينهم. آخر مثال على ذلك، طريقة تعاملها مع تركيا بعد قرارها شراء منظومة صواريخ S400 الروسية. بدأت التهديدات بفرض عقوبات على تركيا، وصلت إلى ذروتها مع التلويح باحتمال إلغاء صفقة طائرات F-35، على الرغم من أن تركيا شريك «من الدرجة الثانية» في مشروع إنتاجها، وأنها تعتزم شراء 111 طائرة تصل كلفة الواحدة منها إلى 85 مليون دولار. لم تأبه أنقرة لتهديدات واشنطن، فانتقلت الأخيرة إلى محاولات «الإغراء» عبر اقتراح لبيعها منظومة صواريخ «باتريوت» الأميركية قدّمها وفد من «البنتاغون» زارها الأسبوع الماضي. جاء الرد التركي واضحاً على لسان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو: «تركيا قد تشتري نظام باتريوت في المستقبل، لكن الأمر سيكون مستحيلاً إن كان الشرط المسبق إلغاء صفقة S400». حاولت واشنطن قبل الزيارة زرع بذور الشك بين روسيا وتركيا عبر تسريب معلومات عن اقتراح تركي سري للأميركيين بعرض المنظومة الصاروخية الروسية على خبرائهم ليقوموا بدراستها، ما استدعى تكذيباً مباشراً للمعلومات من وزير الدفاع خلوصي أكار.
تطور آخر يسهم في تعميق أزمة الثقة الأميركية - التركية، هو النمو المطّرد في العلاقات التركية - الصينية الذي كان بين نتائجه المهمة توقف تركيا عن إثارة قضية أقلية الإيغور في الصين واتهام هذا البلد باعتماد سياسة تنكيل بحقهم وصلت إلى حد حديث الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2015 عن تعرضهم لعملية إبادة منهجية. وبمعزل عن مدى صحة اعتماد الصين لسياسات من هذا النوع، فإن الاستنكار الأميركي «لصمت» الدول الإسلامية عنها هو الأمر اللافت. الكونغرس ووسائل الإعلام أول من عبّروا عن «يقظة الضمير» الأميركي حيال هذا الموضوع، فرأى عضو الكونغرس براد شيرمان، خلال جلسة استماع، أن «من المعيب أن تتجاهل دول كباكستان وتركيا وبلدان الخليج، التي قادت الجهود العالمية لدعم اللاجئين الروهينغا، قمع الإيغور المسلمين في الصين». وسائل الإعلام الأميركية قدمت تفسيرها لهذه «الخيانة»، مشيرة إلى أن تعاظم الاستثمارات الصينية في تركيا في ظل أوضاعها الاقتصادية الصعبة وتأزم علاقاتها مع الولايات المتحدة هما الاعتباران الرئيسيان الذان يقفان خلفها. اعتبارات اقتصادية أيضاً مرتبطة بالوزن المتزايد للمصالح المشتركة بين الصين من جهة، ودول الخليج وباكستان من جهة أخرى، حكم مواقفها مما يدور في غرب الصين حسب وسائل إعلام وخبراء أميركيين. ما يغيظ الولايات المتحدة حقيقةً، رهانها على تبني الدول الإسلامية «قضية الإيغور» وتوظيفها ضد الصين، على غرار ما فعلت هذه الدول في الثمانينيات أيام الجهاد الأفغاني ضد السوفيات بتشجيع وإشراف منها، وفشل هذا الرهان اليوم. ينصبّ الغضب على تركيا نتيجة علاقاتها التاريخية مع الإيغور ودعمها لهم منذ عام 1949 وقدرتها لو رغبت في ذلك على التحول إلى مركز قيادة لمعركة انفصالية في غرب الصين. لكن أهمية المصالح المشتركة بينها وبين الصين تحول دون ذلك، إلى جانب رفضها الانجرار في مخططات رسمتها أميركا خدمة لمصالحها حصرياً. لقد حصلت تركيا على قرض صيني بقيمة 3,6 مليارات دولار، وتتوسع الاستثمارات الصينية فيها بنحو كبير. فقد اشترى ZTE، عملاق الاتصالات الصيني، 49% من أسهم شركة Turkish Telecom، وأكبر بنك في الصين والعالم، بنك الصناعة والتجارة، اشترى بنك Turkish Textilbank، وتجري مباحثات بين مصارف ومجموعات مالية صينية وتركية أخرى لبناء شراكات، وبينها AK BANK وHALK BANK المحسوبان على حزب «العدالة والتنمية». تعتزم شركة السكك الحديد التركية الرسمية من جهتها تطوير شبكتها لوصل شرق البلاد بغربها، وخصصت ميزانية بقيمة 45 مليار دولار لذلك، بالتعاون مع شركات صينية.

الهند وروسيا وإيران
خضعت الهند لمحاولات ابتزاز مشابهة لتلك التي تعرضت لها تركيا لثنيها عن اقتناء منظومة S-400 الصاروخية الروسية. يشير الدبلوماسي الهندي السابق م.ك. بدراكومار في مقال نشره على موقع «إنديان بونشلاين» بعنوان «لماذا ينبغي أن يحظى الخلاف التركي - الأميركي حول S-400 باهتمام الهند»، إلى أن «جماعات الضغط الأميركية شنت حرباً نفسية لإثارة الذعر بين صناع القرار في الهند من مغبة توقيع الاتفاق مع الروس... لقد أظهرت هذه التجربة أن الأميركيين خبراء في عملية الخداع. لم تُفرَض أية عقوبات، ولم يكن هذا الأمر خياراً واقعياً أصلاً. هدف الضغوط كان الإساءة إلى العلاقات الهندية - الروسية. والقصة الشبيهة التي جرت بين واشنطن وأنقرة ينبغي أن تكون درساً للمعنيين بالشؤون الدفاعية والاستراتيجية في الهند. لقد حذّر الأميركيون تركيا من عواقب وخيمة، لكن أردوغان لم يرفّ له جفن».
التعاون الاقتصادي والتجاري الهندي - الإيراني موضوع خلافي آخر بين واشنطن ونيودلهي. فقد وقع اتفاق في 24 كانون الأول الماضي بين حكومات إيران والهند وأفغانستان تشغّل الهند بموجبه قسماً من ميناء شبهار الإيراني. يفتح هذا الاتفاق الطريق أمام السلع والمنتجات الهندية نحو إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا وأوروبا. الأخطر في الاتفاق من منظور أميركي، أنّ بين نتائجه آلية مالية للتعامل بين البلدين لا تتضمن استخداماً للدولار. وقد تلا هذا الاتفاق اجتماع بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ووزير النقل الهندي نيتكين غدكاري في الثامن من الشهر الحالي، تمحور حول تطوير العلاقات الاقتصادية وإيجاد صيغ للتبادل التجاري، كاعتماد نظام المقايضة مثلاً، تتيح تجاوز عقبة استخدام الدولار. وفي ختام اللقاء، قال الوزير الإيراني إن «البلدين متكاملان، ونستطيع التعاون في شتى المجالات، على الرغم من العقوبات الأميركية المنافية للقوانين الدولية، لما فيه مصلحة شعبينا».
رفض اعتبار الولايات المتحدة مصدراً حصرياً للأسلحة النوعية، وعدم التزام ثوابت استراتيجيتها الدولية والإقليمية من قبل دول محورية حليفة تحولان يندرجان ضمن المتغيرات الكبرى التي تشهدها العلاقات الدولية في عالم «ما بعد الغرب».