ما تعرّض له بالأمس زميلنا آدم شمس الدين، المراسل في محطّة «الجديد»، غير مقبول، بل ومثير للغضب والاستنكار والذهول!

من كان يتصوّر أن يوماً سيأتي نجد أنفسنا عند أحطّ دركات الانحطاط، ونتفرّج على سلطة قضائيّة رازحة تحت نير الوصايات المختلفة، تتخبّط في الرمال المتحرّكة لجمهورية المحسوبيات والفساد، وكل ما تملكه هو اضطهاد المواطنين الأبرياء والشرفاء بسبب مواقفهم وأخلاقهم؟ لا نعمم ولا يجوز أن نفعل، لكن حالات تجاوز روح القانون ونصّه، تتراكم، على خلفيات متنوّعة، لتطاول الاعلام أساساً، ولتتجاوزه إلى كل من يصرخ قهره، أو يعبّر عن سخريته في الفضاء الافتراضي. نحاول أن نعكس هنا الانطباع العفوي الذي يلازم الكثيرين في هذا البلد، تحديداً الجيل الشاب الباحث عن نفسه ومكانه ومستقبله وصوته، في بلد يتهاوى. إلى أي مدى يمكننا أن نقبل بتحويل «دولة القانون» إلى «ديكتاتوريّة» ملطّفة، تحتقر الشعب والحريّات والعدالة؟
إن ظاهرة ترهيب الناس في لبنان، وإحكام قبضة القانون على خناقهم، ومنعهم من التعبير عن أفكارهم وهواجسهم ونقدهم وسخريتهم، أخذت في السنوات والأشهر الأخيرة بعداً كاريكاتوريّاً مخجلاً، حوّل هذا «القانون» إلى أداة قمع وتنكيل، بشكل لم يكن من الممكن أن نتخيّله قبل أقل من عقد! لقد تخطت التجاوزات كل الحدود المقبولة، بدءاً بجهاز مكافحة الجرائم المعلوماتية الذي انحرف تماماً عن مهمّته، وحوّر مفهوم «الجرائم الالكترونية»، فإذا به يستحيل «مطاوعاً» مهمّته مطاردة كتاب البوستات والتغريدات، واذلال رواد العالم الافتراضي، ومحاولة ترهيبهم وتكميمهم… من أجل أن «يعمّ النظام» على مواقع التواصل الاجتماعي! هذا المتنفّس الرقمي الذي يقوم بطبيعته على فوضويّة هلاميّة، تخترق الجدران الحديدية للخطاب الرسمي والسلطة المهيمنة! نتحدّث طبعاً، وحصراً، عن المطاردات الرسميّة للرأي والموقف، للنقد والتفكير، لمجادلة السائد وإن بأدوات صادمة أحياناً… نتحدّث عن تضخيم جنحة «القدح والذم» المكروهة والمرفوضة حكماً، والاسراف في استخدامها في غير مكانها، أو تحويلها إلى «جريمة»، لاضطهاد الناس واسكاتهم.
لكن قضيّة آدم شمس الدين تذهب أبعد من ذلك بكثير. والحكم الغيابي الصادر أمس بحقّه، عن قاضٍ عسكري، هو حكمٌ عبثيّ وظلامي واستبدادي. بل هو اساءة لكل أهل المهنة، وترهيب لهم، واعتداء موصوف على الديمقراطيّة وحرية الاعلام. «السجن ثلاثة أشهر» بسبب منشور دوّنه على حسابه الفايسبوكي، ينتقد الأداء المتعثّر لجهاز أمني بات حديث البلد منذ مآثره في «قضيّة زياد عيتاني»! ما يثير الاستغراب بالدرجة الأولى هو الحكم بحد ذاته، بحق صحافي مارس حقّه وواجبه في الرقابة والمحاسبة والنقد ورفع الالتباس وفضح المغالطات والأفكار المسبقة. لم يفعل مراسل «الجديد» سوى التعبير عن رأيه، وأشار بأسلوبه إلى حقائق عليها اجماع واسع. بديهيّات كتبناها وقتذاك في «الأخبار»، وها نحن نتبناها من جديد بحرفيّتها: من غير القانوني، اعتقال شخص يعمل في مجال التزيين والوشم بـ«تهمة» كونه يحمل «فيروس نقص المناعة المكتسبة» (الايدز)! هذا مخالف للقوانين والحقائق العلميّة والمصلحة العامة والكرامة الانسانيّة والأعراف الأخلاقيّة. كما تنمّ هذه الممارسات عن جهل مطبق غير مقبول من جهاز رسمي مؤتمن على حياتنا وأمننا وكرامتنا، وعن جانب مظلم ومقلق يجمع بين رهاب الغريب (فالموقوف غير لبناني)، ورهاب مرضى الإيدز مع كل الاحكام المسبقة التي يختزنها.
لكن الأخطر في قضية آدم شمس الدين هو صدور الحكم عن «محكمة عسكريّة»! المبدأ القانوني الذي تقوم عليه المحاكم العسكرية، وهي محاكم يفترض بها أن تكون استثنائيّة، وأن تحل مكانها محاكم مدنيّة متخصصة، هو النظر في قضايا داخل المؤسسة العسكريّة. وفي كل الأحوال، من الصادم والمهين أن تنظر في قضيّة اعلامي يعمل في الشأن العام، ضمن اطار ممارسته عمله. لا أحد فوق القانون: إذا كان زميلنا قد ارتكب خطأ مهنياً (وهو برأينا لم يفعل على الاطلاق)، فهناك مرجع واحد يُحاسب أمامه هو محكمة المطبوعات. غير ذلك مهين ومذل ومسيء لكرامتنا المهنيّة. غير ذلك يذكّر بالديكتاتوريّات البشعة التي تحاصر المواطنين، وتسحقهم، وتمنع عنهم الهواء والتفكير والحريّة. غير ذلك هو ترهيب مباشر لنا كصحافيين، وتهديد، ومحاصرة، ومنع معلن من ممارسة حقنا في الرقابة والنقد حين يتعلّق الأمر بمؤسسة عسكريّة أو جهاز أمني يخالف القانون لدى ممارسة صلاحياته، ويسيء إلى حقوق الانسان والكرامة الانسانية وسائر الحقوق والحريات. أم أن هذه الأجهزة والمؤسسات معصومة عن الخطأ، وفوق النقد والمحاسبة؟ إذا كانت تلك الديمقراطيّة التي تريدونها للبنان، فلتعلنها السلطة السياسيّة، ولنعد صياغة قوانين الجمهورية الجديدة على أساس هذه الفلسفة!
في انتظار ذلك نحن نعيش في نظام دستوي وديمقراطي، على علّاته التوافقيّة والطائفيّة. ولا يصحّ أن يملي القاضي العسكري، أو بتعبير آخر محكمة الاستثناء، على الاعلام ما يجوز أو لا يجوز أن يفعله ويقوله ويكتبه، في إطار ممارسة مهنته. إذا أخطأ الصحافي، وفي انتظار تأسيس نقابة حقيقية تحمي المهنة وتؤطرها وتحاسب ممارسيها، هناك محكمة المطبوعات.
خلال خمسينيات القرن الماضي، استعار الكاتب الأميركي هنري ميلر من القرون الوسطى المسيحية في الغرب، عبارة «صيد الساحرات» ليطلقها على حملات الاضطهاد والتنكيل والمحاكمات التي تعرّض لها المثقفون والمبدعون المعارضون في الولايات المتحدة. كان ذلك خلال المرحلة التي عرفت بـ«المكارثيّة» نسبة إلى السيناتور جوزف مكارثي. هذا الصباح في لبنان، بعد «الحكم العسكري» الصادر بحق صحافي انتقد جهازاً أمنياً تعثّر في أداء مهمته، يمكننا أن نعبّر عن خشيتنا من تعرّض الاعلام والحريّات إلى «مكارثيّة» من نوع جديد، إلى حملة تنكيل وترهيب يمكن أن نطلق عليها تسمية «صيد الساحرات».