ارتبط اسم «الحشّاشين» في الغرب والشرق بالفرقة الانتحارية المرابطة في قلعة الموت فوق جبال الديلم، وقد عرفوا بذلك لتعاطي الحشيش المخدّر بفرض من زعيمهم حسن الصبّاح. غير أن كتب التاريخ الإسلامي ومنها تواريخ القرون الوسطى العربية، وكتب الملل والنحل، لا تفيد بشيء عن أصل تسمية الحشاشين ولا المخدر المقصود أو علاقة ساكني القلعة به، ما عدا ما أورده بنيامين التطيلي. في رحلته حول «أرض الملاحدة التي تسكنها طائفة لا تؤمن بدين الإسلام، يعتصم رجالها بالجبال المنيعة، ويطيعون شيخ الحشاشين، وهم أشداء لا يقدر أحد على قتالهم» سيبقى اقتران الحشيش بالمخدر لغزاً محيّراً في التراث العربي والإسلامي، فقد عدّ أبو الخير الإشبيلي (القرن السادس الهجري) للحشيش أربعين نوعاً، ليس بينها المخدّر المقصود، منها: الحشيش البابلي، وحشيش الأفعى النافع لنهشها، وحشيش الداحس النافع للسعال، وحشيش الطلق النافع للولادة، لترد إشارة من ابن وحشية في كتاب «الفلاحة النبطية» حول حشيش الخشخاش الذي «يخدّر الدماغ وإن أكثر منه قتل للنفس بلا تأخير، وخاصة للبارد المزاج من الناس... يتخذ منه شراباً فيكون أبلغ في التنويم وتسكين اللهيب وجميع الأوجاع»، أو من أبي الخير الإشبيلي حول الحشيش المتخذ من بذور شجرة القنب «كثيره يصدع الرأس، ويجفف المني، ويقطع النسل، ويسكر كما تسكر الخمر». التنقيب في التراث العربي والإسلامي حول النبتة الإشكالية، يفضي إلى الاستنتاج بأن المرويات حول الحشيش ستنتشر بكثرة بعد العام ١٣٧٨م، أي بعد زمن جماعة الصبّاح بمئتي عام، ما يضع مروية بنيامين التطيلي وما نقله الرحالة ماركو بولو موضع الشك. نستعرض في «كلمات» الموروث العربي والإسلامي حول النبتة المحرّمة بمحاسنها وأضدادها.



في أصل هذا النبات قيل: إن أول من أظهرها الشيخ حيدر الخراساني، أعاد الله علينا من بركاته، إنه خرج من خلوته إلى الصحراء وقت القائلة منفرداً بنفسه عن أبناء جنسه، فوجد كل شيء من النبات ساكناً لا يتحركّ لعدم الريح في شدّة القيظ الذي لا يدرك، وإنه مرّ بنبات له ورق يبهر الحدق، فرآه في تلك الحالة يميس بلطف ويتحركّ من غير عنف كالثمل النشوان والترف السكران، فناداه منادي الكشف بلسانه أن «كلْ من ورق هذا النبات، فإنه أعظم القربات، فهو طعام المتفكرين في معانينا ومدام المعتبرين بمغانينا». فلما أكله ثار فيه الوجد والطرب، ورأى من نفسه في مشاهدة مطلوبه العجب، فلما تحقق الشيخ أمره، وجد في باطنه سرّه وعلم أثره وحكمه، رجع من وقته بقوة همه وأمر أصحابه بأكله وإخفاء سرّه عن غير أهله لماِ فيه من السرور المضاعف والفرح الزائد المترادف والنشاط الكامل والاغتباط المتواصل ما يعجز المرء عن كتمانه لغلبة سلطانه. قال أبو خالد: زرعتها بزاوية الشيخ في حياته، فأمرني بزرعها حول ضريحه بعد وفاته. وعاش الشيخ حيدر بعد أن أوقفنا على هذا السرّ المكنون والأمر المصون عشر سنين وأنا في خدمته لم أره يقطع أكلها في كل يوم، وكان أمرنا بتقليل الغداء وأكل هذه الورقة الخضراء، وتوفي الشيخ، رحمه الله، في سنة ٦١٨ بزاويته بجبل بين نشاوور وراوه، وعلى ضريحه قبّة عظيمة، وله النذور الوافرة من أهل خراسان، وهم يعظمون قدره ويزورون قبره ويحترمون أصحابه ويجلونهم إلى وقتنا هذا، وليس في فقراء العجم أتقى منهم سيرة ولا أنقى سريرة.
(السوانح الأدبية في مدائح القنبية ــــ تأليف: الحسن ابن محمد العكبري)
■ ■ ■

في آداب استخدامه
اعلم أنه يجب على العاقل الأديب الفاضل الأريب إذا أراد استعمال هذا العقار المفضل بالإباحة على العقار أن يطهر من النجس جثمانه ومن الدنس قمصانه ويتحلى باكتساب الفضائل، ويتخلى عن ارتكاب الرذائل ويلتمسه ممن يخبر سريرته، ويشكر سيرته ويأكله في محله ولا يبلعه مع غير أهله، ويقبضه بيده اليمنى دون اليسرى، ويقول: بسم الله ربّ الآخرة والأولى «الَذِّي أَخْرَجَ المْرَعْى» و«خلَقَ فسَوّى» ورزق وأعطى، وقدّر وهدى، وعلم السرّ وأخفى، وصلى الله على محمد نبيّ الهدى وأصحابه أئمة الهدى والتقى، اللهم إنكّ أودعت الحكمة في مخلوقاتك وأبدعت المنفعة بمصنوعاتك، وعرّفت خواصّها من ارتضيته، وألهمت أسرارها من اصطفيته، وإنّ هذا النبات الذي دبّرته بحكمتك وأخرجته بقدرتك وجعلته رزقاً لكثير من خليقتك بقضائك وإرادتك وقدرك ومشيئتك، فأسألك بكرمك العامّ للخاصّ والعامّ أن توفّقني فيه للعمل بطاعتك والإقلاع عن معصيتك، وتقطع عنّي الشهوات وعوائقها والشبهات بعلائقها والأحزان وطوارقها، وتعرّفني الموجودات بحقائقها، وترزقني خيره، وتصرّف عنيّ ضرّه، يا من هو على كل شيء قدير وبكلّ حال بصير. ثم يضعه في شدقه ويبالغ في سحقه، ويشرب عليه ويحركّ فكيه ويحطّه إلى أمعائه، ويحمد الله على نعمائه، وينظّف من أثره فاه، و يغسل محياه، ويرفع صوته بالنغم لخالق الصباحة، فإنّها من دواعي السطلة والراحة، ويكحّل بالإثمد أسنانه ليخفيَ عن الأخشان شأنه، ويسرّح شعر دقنه، ولا يزول الصحف من دهنه، ويترنّح في مشيه وأمره ونهيه، ويستعمل من الطعام ألطفه، ومن كلام الحلو أشرفه، ويشاهد الوجوه الحسان، ويجلس في أنزه مكان ويجاور خرير الماء، ويصاحب نحارير الأصدقاء، ويأخذ نفسه بالفكر في العلةّ والمعلول، والفاعل والمفعول، والحاصل والمحصول، والقائل والمقول، والناقل والمنقول، والعامل في الحلاوة والمعمول، فعند ذلك يفُاض عليه من علم الله القديم وفضله العميم ما يتصور به الآراء ومعانيها، وتظهر له الأشياء بما فيها، ويدرك الخواطر بالنواظر، ويملك النواظر بالخواطر، وينفصل عن معنى ناسوته، ويتّصل بمعنى لاهوته، وتحصل له نسبة الفقراء على التحقيق، ويصل إلى مرتبة التوفيق. فمن استعمله بغير شرطه أو حطه غير محطه، فقد عدل عن محجة العقل والأدب وجهل حجّة القصد والطلب.
(راحة الأرواح في الحشيش والراح ــــ تأليف: تقي الدين أبي التُقى البدري الدمشقي)
■ ■ ■

في طبع هذا النبات
قال ابن يحيى: إنها تثير الخلط الكائن في الجسد كيف ما كان، فصاحب الصفراء يحدث له حدّة وجرأة، وصاحب البلغم يحدث له سُبات وصمت، وصاحب السوداء يحدث له بكاء وجزع، وصاحب الدم يحدث له سرور ونشوة، فتجد كل واحد منهم يحدث فيه بمقدار ما تغلّب على مزاجه المذكور من الخلط. منهم من يمرِي بدنه على تعاطيها، ومنهم من تفسد مزاجه وتصفر وجهه وتورث له الداء... ورأيت من خواصها أن كثيراً من الحيوانات ذوات السموم كالحيّة وغيرها، إذا شمّتْ ريحها من بعيد هربت منه، وهذا من خواصها وتمنع عن نفسها بخاصية فيها ضدّ الخمر، وذلك أنني شاهدت ثعباناً يمجّ من إناء فيه خمر حتى أتى على أكثره ثم قذفه من جوفه في الإناء. ورأيت أن الإنسان إذا أكل الحشيشة ووجد فعلها في نفسه وأحبّ أن يفارقها ويفارقه فعلها، قطّر في منخريه شيئاً من الزيت أو أكل شيئاً من اللبن الحامض، ومما يضعف قوّة فعلها ويكسره العوم في الماء الجاري البارد، والنوم يذهبه ويبطله أيضاً.
وقال جالينوس: بزر هذا النبات يطرد الرياح ويحلل النفخ ويجفّف تجفيفاً يبلغ من قوّته أن الإنسان إذا أكثر أكله جفّف المنيّ؛ وقال ابن سينا: رديء الخلط قليل الغذاء وقال ابن البيطار في مفرداته منشّف لرطوبة المعدة، قاتل للديدان؛ وقال إسحاق: عسر الانهضام رديء للمعدة مصدّع والدم منه راجع إلى الصفراء ويصير له بخار ويعقل البطن ويدرّ البول، والمقلوّ منه حبه أقل ضرار. وقال الرازي: يصدّع ويظلم البصر ويمنع من ذلك شرب الماء البارد وقضم الثلج عليه وأخذ شيء من الفواكه الحامضة. وقال ديسقوريدوس: كثرة أكل الورق منه يقطع المنيّ وإذا كان البزر طرياً، فإذا أخرج ماؤه وقطُر في الأذن وافقها.
(منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان تأليف: عليّ ابن عيسى ابن جزلة)
■ ■ ■

من عجائب آثاره في الطب
إن ممّا يبرئ من الصرع في وقته بخاصية فيه ورق الشهدانج البستاني، وقد جرى في زماني ما يدلّ على صحة ذلك، أن ظهير الدين محمد ابن إسماعيل ابن الوكيل من أكبر بيوت أهل بغداد، وكان والده حاجب ديوان المجلس في الدولة العباسية في وزارة ابن العلقميّ وابن الناقد، فغلبتْ على الظهير المذكور السوداء حتى أفضى به هذا الوصب إلى أن عضّ له إبهام من أصابعه فأبانها فسُجن في منزله وسُلسل، وكان ينصرع في كل أسبوع مرة، وأخذت الأطباء في معالجته نحواً من ستة أشهر فلم يبرأ، فأدخل عليه للعيادة عليّ ابن مكي، وكان من أحذق أهل زمانه بضرب العود ونقر الدفّ ونظم الشعر الجيد شهد له بذلك جماعة من أهل الفنون، وكان والده شاعراً أيضاً في أيام الإمام الناصر لدين لله، فلمّا رأى ابن مكي منه ذلك، أبرز من كمّه شيئاً من الحشيش وكان لا يفارقه فأخذ منه واستعمل وعرض على ظهير الدين أكلها، فأبى وامتنع لأنه لم يكن أكلها في عمره، فلم يزل يلاطفه بخلاعته ويستدرجه بظرافته حتى أكلها، ثم إن ابن مكي ضرب بالعود وغنّى من رقيق شعره، فلم يكن إلا ساعة حتى وجد ظهير الدين فعل الحشيشة في نفسه وحسّه، فعاد إلى عقله وأنكر على أهله ما رأى من سوء حاله، وبرئ من ذلك الوصب من يومه، وكان ذلك اليوم نوبته في الصرع، ولم يعلم لزواله سبب غير تناولها، ثم إن ظهير الدين لم يقطع أكلها بعد ذلك. أقول: وهذا من عجيب الاتفاق وغريب مستظرفات الحكايات.
(كتاب المنصوري ــــ تأليف محمد ابن زكريا الرازي)
■ ■ ■

* في ذكر مستعمليه ولطائف من قد وقع فيه
يُحكى أن رجلاً كان يتزيّا بزي الفقهاء، فاستعملها ليلة بزائد وكان عند قوم أرياف فأمَّ بهم صلاة العشاء، وسجد السجدة الأولى فلم يقم، فحرّكوه ليقم، فلم يقم. فخرج الأرياف من المسجد وهم يقولون «رحم الله الإمام، فإنه كان رجلاً ديناً حتى قُبض في الصلاة» ثم إنهم غطّوه فلما أصبحوا، أحضروا المغاسل والحنوط وأرادوا أن يحملوه فقال لهم: «هل أقمتم الصلاة حتى نصلي المغرب؟» فكشفوا أمره فإذا هو في حشيش.
وحكُي عن بعضهم أنه خرج من عند زوجته ليشتريَ لها كبيبات مقليّة فبينما هو في الطريق إذ عثر ووقعتْ الشقفة من يده في مكان به بعر جمال، فملأ الشقفة من البعر وجاء إلى زوجته وقال لها: «خذي مني!» فلما أخذت الشقفة منه وجدت الغالب بعر جمال، فقالت له «ما هذا كبيبات يا معثّر؟»، «هؤلاء بعيرات جمال!» فافتضح من وقته وفارقتهْ من ساعته.
رآه بعض أصحابه ليلة العرس، فقالوا: «استعملْ هذه اللبابة وإنك الليلة تنبسط بالعروسة»


وحُكي عن بعض لطفائهم أنه دخل إلى زاوية فقراء فوجد الفتوح كثيراً والمآكل الطيبة، فقال في نفسه: أنا أعمل فقيراً عندهم، فأخذ الشيخ عليه العهد وأقام يومين يبلعها في الخفية وهو في خشوع والفتوح يتزايد، ثم بعد ذلك تناقص حتى إنه انقطع ولم يأت شيء، وأقاموا على ذلك مدة حتى خرج من عقله وتزايد مرقه وفرغ عن الفقر وعن الشيخ وعن الزاوية، فاتفق أنه مات من بينهم فقير، فقدّموه للصلاة عليه فصلّى معهم وكبّر ثماني تكبيرات، ثم إنه راح إلى عند رأس الميت وجعل يوشوشه، فأنكر عليه الفقراء، وقالوا: «عليك إنكار من وجهين، أحدهما: أنك كبّرت ثماني تكبيرات، والثانية: أنك وشوشت الميت، وهذا بدعة سيئة». فقال: «اسمعوا يا فقراء، أما الأربع تكبيرات الزائدة فإنها للصلاة على نفسي فإني حسبت روحي من الأموات، وأما لوشوشته فإني قلت له: لا تستوحش إن لم يجئْ فتوح اليوم وإلا أنا عندك غداً».
ومن قبيح ما حكاه عريقشة أنه تزوّج بأمّ ولد فرآه بعض أصحابه ليلة العرس، فقالوا: «استعملْ هذه اللبابة - ولم يكن استعملها قبل ذلك - وإنك الليلة تنبسط بالعروسة»، فلمّا دخل عليها وقد غلب عليه النعاس فنام في الفرش، فاهتمّت العروسة لنومه فغطّته ثم أخذت تعرض على ولدها، فقالت له: «بلْ!»، فدخلت في أذن النائم فبال إلى أن عوّم الفرش، فحرّكته، وقالت له «ما هذا؟»، فقال «احم»، فنبّهته فاستيقظ يجد غرق الفرش والثياب، فقال لها: «يا امرأة أعذريني فإن بعض الأصحاب قال لي استعمل هذه اللبابة ولم أكن عمري أعرفها فغيّبتْني ثم درت الدنيا في النوم، فجزت على فيضة الحاكم فدخلت الخلاء قضيت شغلي، وإذا بواحد طرق الباب فقلت له: احم، فانبهتيني فانتبهت وأنا بهذه الحالة»، فغفرت لي هذا الذنب واستمريت في صحبتها استعملها لكن على قدّي.
(راحة الأرواح في الحشيش والراح ـــــ تأليف: تقي الدين أبي التقُى البدري الدمشقي)

■ ■ ■


* في ما جاء فيه من الشعر والنثر

ابن الاعمى الدمشقي:
دعِ الخمر وَاشربْ من مدامة حيدر
معنبرة خضراء تحكي الزبرجد
يعاطيكها ظبيٌ من الترك أغيد
يميس على غصن من البان أملد
فتحسبها في كفّه إذ يديرها
كرقم عذار فوق خدّ مورّد
وتشدو على أغصانها الورق بالضحى
فيطربها سجع الحمام المغرّد

- ابن الأقساسي العلوي في الحشيشة ممزوجة بالعسل:

أتوني بها بصرية فأكلتُها
وقد عجنتْ بالشهد منذ ليال
مخمّرة يزري على الخمر طبعها
مهابتها بالسيف سيف أوال
سمتْ عن مقام الراح عندي لقولهم
حلال وشرب الراح غير حلال
فطوراً أرى الدنيا قصوراً وتارة
أراها أراضي والرياض حوالي

شاعر مجهول:
جفني غدا من الحشيش تالفاً
ومذ رماني الجفن من أعلى الدرج
قلت له أنتَ الذي أوقعتني
فقال لي «ليَسْ علَىَ الْأَعْمىَ حَرَج»

مؤلّف مصري مجهول
خذْ هذه اللبابة، واستعملها تجد البسط والمهابة، وتنفخ معدتك، وتزيل همّك وكربتك، فيأخذها العشير بهمّه، ويضعها في فمّه، ويسمّيها زيه، وهي المسرّة والتنزيه، وبنت الجراب لمن شطح وطاب، وتغني للأحباب وتقول للأصحاب: هي أحلى من الجلاّب، فمن نال منها بندقة، فتح فاه بالمشدقة، وطرب ومال، وبقى من البسط في حال، فرحم الله العشير، من فرحه يطير ، وينشد ويقول: هات نبت البقول، وغني وقول، إن كان لك معقول (من البسيط):
يا ذا الحشيشا الذي في الأرض مغروساً
تغني عن الخمر والخمّار يا موسى
ياما أكلناه معجوناً ومبسوساً
حتى رأينا الجمل في شبه ناموسى

في وصف ماركو بولو لجنّة الحشاشين
«هناك في واد مونق محصور بين جبلين شامخين، أنشأ شيخ الجبل بستاناً فاخراً وشيدت قصور متنوعة الأحجام والأشكال وزينت بزخارف من ذهب وملئت حجراتها بالصور الزاهية وبالأثاث المكسو بأفخم الدمقس والاستبرق واستُخدِمت أنابيب صغيرة صممت في هذه المباني وبواسطتها كانت أنهار من الخمر ولبن وعسل وماء فرات تشاهد وهي تفيض في كل اتجاه، وكانت تسكن هذه القصور حوريات رشيقات جميلات دُرّبنَ حتّى أتقنّ جميع فنون الغناء واللعب على جميع أنواع الآلات الموسيقية والرقص كما أتقنّ بوجه خاص أفانين الغزل والإغراء والدلال... ولكي يحول دون أن يجد أحد سبيله بغير إذن منه الى ذلك الوادي الممتع، أمر بإنشاء حصن قوي عند مدخله وكان الدخول من خلاله الى الوادي عن طريق سرداب سري، وكان ذلك الأمير يجمع في بلاطه كذلك عدداً من الشبّان تتراوح أعدادهم بين الثانية عشرة والعشرين، يختارهم من بين سكان الجبال المجاورة ممن يبدون ميلاً الى المرانة والدربة العسكرية وتتجلّى فيهم صفة الشجاعة المقدامة. وجرَت عادته بالتحدث إليهم في موضوع الجنّة التي بشّر بها النبي، كما كان يأمر بإعطاء الأفيون لعشرة من هؤلاء الشبان، فإذا صرَعهم النوم فأصبحوا نصف موتى أمر بحملهم الى البستان فتصعق حواسهم من البهجة التي سبق وصفها ووجد كل واحد منهم نفسه محوطاً بأوانس فاتنات يغنين له ويلعبن بالآلات ويستهوين لبّه بالمداعبة والعناق، ويقدّمنَ إليه أشهى اللحوم والخمور حتى يعتقد تماماً أنه في الفردوس وإذا غلبهم السكر والنعاس حملوا خارج البستان فيسألهم أين كانوا فيكون جوابهم: «في الفردوس بفضل عطف سموكم». وعندئذ يقول الشيخ مخاطباً لهم: «لقد وعَدَنا رسول الله وكان وعده حقاً بأن الجنّة يرثها عباد الله الصالحون الذين يذودون عن مولاهم»، فكان يرسلهم في الأمصار، ليقضي كل خصمٍ نَحبَه على يد هؤلاء السفّاكين المدرّبين»

* (رحلات ماركو بولو، الجزء الأول)