لعلّنا لا نُضيف جديداً لو قلنا إنّ إدوارد سعيد (1935-2003) لم يُقرأ بالعربيّة بعد. بالرغم من الترجمات العديدة لأعماله (وبسببها بالأحرى)، بدت صورة سعيد بالعربيّة مغايرةً تماماً، إن لم تكن متناقضة، لصورته الفعليّة. بدا أسلوبه عويصاً مستغلقاً على الفهم في الترجمات، وبدت لغته جافّة، بحيث لم تصل أفكاره الفعليّة إلى القرّاء العرب، بل كانت أفكاره ذاتها تتغيّر تبعاً للترجمة والمترجم، فضلا عن غياب أفكار أخرى بسبب حذف مقاطع من كتبه لأنّها «لا تلائم القارئ العربيّ»، بحسب مقدّمة إحدى ترجمات كتاب «الاستشراق». من ناحية أخرى، بدا سعيد أسير صورةٍ نمطيّة كرّسها معظم مترجميه، ولا سيما بعد الإصرار على إعادة ترجمة كتب بذاتها بداعي سوء الترجمة السابقة (وهذا صحيح إلى حد ما)، ما جعل كتباً أخرى لسعيد ذات أهميّة أدنى لدى القارئ العربيّ برغم أهميّة طروحاتها وتنوّعها وذلك لامتناع المترجمين لأسباب متعددة عن ترجمتها، ككتابي «مسألة فلسطين» و«بدايات». وبإمكاننا القول بشيء من الثقة إنّ الحال قد تغيّرت جزئياً مع ظهور ترجمات جديدة في السنوات القليلة الماضية، أعادت بريق لغة وأفكار سعيد، دون أن يتخلّى المترجم عن الروح النقديّة اللازمة للتعامل مع كتب سعيد.


مع الترجمات الجديدة التي أصرّ المترجمون فيها على تناول كتب حديثة لسعيد، صرنا أمام صورة مغايرة لسعيد تبدو أقرب لأسلوبه الحقيقيّ، وأبعد بدرجات عن الترجمات العربيّة السابقة. نسفت هذه الترجمات «أسطورة» صعوبة أسلوب سعيد، ليكتشف القارئ العربيّ أنّ تلك «الصعوبة» لم تكن سوى ذريعة واهية للمترجمين السابقين الذين كانت تنقصهم، قبل أيّ شيء آخر، العدّة الثقافيّة اللازمة للتعامل مع كتابة سعيد. من هنا بالذات، يحاول فخري صالح في الطبعة الثانية من كتابه «إدوارد سعيد: دراسة وترجمات» التي صدرت أخيراً عن «الدار العربيّة للعلوم ناشرون»، خوض غمار البحث في أفكار سعيد ونقدها من موقع القارئ والناقد العربيّ من جهة، ونقد الترجمات السابقة لسعيد على نحو غير مباشر عبر ترجمة فصول ومقاطع مختارة من عدد من كتبه.
لم ينجح صالح في مهمّته على نحو كبير بالرغم من الجهد الواضح الذي بذله في انتقاء الزوايا التي تحاول مقاربة كتابة سعيد نقداً وتحليلاً، فضلا عن اختياره الجيد لنصوص «سعيديّة» كانت تمثّل معظم فكره على نحو كبير. تنبع إشكاليّة كتاب صالح أولاً من التناقضات التي نجدها عند تناوله لمسألة «هل إدوارد سعيد كاتبّ غربيّ؟» لأنّه يقرّ بدايةً بأنّ العناصر التكوينيّة لأفكار سعيد تنتمي إلى الغرب، «لكنّ عمله يمثّل نقضاً للمركزيّة الغربيّة من داخلها»، ثم يقفز إلى استنتاج غريب في الفقرة ذاتها ليؤكّد أنّ هذه الرؤية الثقافيّة ما كانت لتتشكّل في أعمال سعيد «لو لم يكن آتياً من الشرق والعالم الثالث ومن فلسطين تحديداً». لا يبيّن صالح الأسس التي استند إليها في استنتاجه ذاك، وخاصة أنّه يعود (بفعل تأثره بأفكار جديدة ربما، وهذا ملمح نجده على نحو واضح في معظم فصول الكتاب حيث تتغيّر الأفكار بتغيّر المرجعيّة النقديّة التي يتناولها صالح) ليشير إلى أنّ نقد سعيد للمركزية والهيمنة الغربيتين نابع من «حضوره المزدوج، وكونه مثقفاً مقيماً على الحدود». وهنا بالذات، لا بد من العودة إلى أفكار سعيد بالذات لنميّز بدقّة بين تباين الهويات المتداخلة لدى الناقد/المثقف، وكونه «لامنتمياً» ومحافظاً على مسافة واضحة من تصلّب السلطة والهويّات والأفكار.


يقرّ بدايةً بأنّ العناصر التكوينيّة لأفكار سعيد تنتمي إلى الغرب

نجد أقسى نبرة نقديّة لدى صالح عندما يتناول أفكار سعيد بشأن القضيّة الفلسطينيّة، وانتقاد سعيد الشرس للسلطة الفلسطينيّة الأوسلويّة. يتناسى صالح أنّ سعيد ليس سياسياً، بل هو مثقّف نقديّ يتناول السياسة كما يتناول أيّ حقلٍ اجتماعيّ أو فنيّ آخر، ليتّهم سعيد بأنّ كتابه «غزة-أريحا: سلام أميركي» (1994) غير قادر على «بلورة استراتيجيّة عمليّة للخروج من الأزمة»، بالرغم من أنّ عرض صالح للكتاب يبيّن أفكار سعيد التي يتجاهل صالح «استراتيجيتها العمليّة»، بخاصة حين يشدّد سعيد على اتهام القيادة الفلسطينيّة بالتفريط بحقوق الشعب الفلسطينيّ، ومطالبته الواضحة على وجوب رحيل هذه القيادة فوراً، حيث يؤكّد لنا صالح أن «تشخيص سعيد للوضع [الفلسطينيّ] يبدو أكثر واقعيّة من الحلول التي يقدّمها».
هنا بالذات، لا بدّ من التركيز على مسألة «الواقعيّة» التي يريدها صالح، إذ إنّ دلالاتها بالذات ستوضح له وللقارئ «الاستراتيجيّة» التي يريد من سعيد تثبيتها في كتابه.
لا تبدو حال ترجمات صالح أفضل بكثير من فصول الكتاب الأخرى، إذ إنّ أيّ مقارنة بينها وبين الترجمات السابقة للمقاطع ذاتها ستبيّن عبثيّة إعادة الترجمة، لأنّ الترجمات السابقة (على تواضعها) أفضل بهذه الدرجة أو تلك من ترجمة صالح، بخاصة عند تناوله كتابي «خارج المكان» و«فرويد وغير الأوروبيين». وبالطبع، لنا أن نتوقع أنّ كتاب «بدايات» لا يزال خارج دائرة الترجمة حتى عند صالح بالرغم من تأكيده في مواضع عدة على أهميّة الكتاب.
بالرغم من النيّة الحسنة لفخري صالح في كتاب «إدوارد سعيد: دراسة وترجمات»، لن يخرج القارئ بفائدة كبيرة بعد الانتهاء من قراءته، لأنّ الكتاب لا يقدّم أفكاراً جديدة بشأن سعيد، ولا ينتقد على نحو واضح الأفكار القديمة السائدة بشأنه، ولا يشير على نحو كافٍ إلى الانتقادات الجديّة لأفكار سعيد، وخاصة ما يتعلق بالبعد الجندريّ أو الصورة النمطيّة المعاكسة في كتاب «الاستشراق»، أو وقوعه في فخ المركزيّة الغربيّة ذاتها في كتاب «الثقافة والإمبرياليّة». ربما كان تنوّع المرجعيّات التي اعتمد عليها صالح سببٌ في هذا، ولا سيّما أنّ طرحه يختلف باختلاف المرجعيّة، وربما كان لمحاولته إصدار كتاب «شامل» عن سعيد سببٌ أيضاً، وخاصة أنّ بعض عناوين الفصول تبدو فضفاضة قياساً لمحتواها، وخاصة في فصل «استقبال إدوارد سعيد في الغرب» الذي لا يتجاوز صفحة ونصف صفحة. هذا كتاب يحاول تقديم شيءٍ عن كلّ شيء، ولهذا ربما لم يقدّم أيّ شيء
تقريباً.