ماذا يفعل المواطن العربي في لبنان وهو يشاهد ما يحصل في مصر؟

لا شيء غير المخيّلة. غير التوتر في الجهاز العصبي. غير العيون المفتوحة دونما نوم لمراقبة الصور الآتية عبر الفضاء من هناك، وحفظ الأصوات التي أمكن سماعها عبر الهاتف. هم يريدون تقديم العون بكل طريقة ممكنة، ولحظة العجز عن الحركة، يعودون إلى السحر، يفترضون أنفسهم جنوداً يجرّون الطاغية ـــــ المومياء في الشارع، يقيمون المحاكم الشعبية ويعدمون رموز القهر والفساد والخيانة. وليس لدى المواطن المتسمّر أمام الشاشات سوى الركض خلف الأنباء العاجلة بانتظار قراءة خبر عاجل من كلمتين: سقوط الطاغية!
وسط النخب تدبّ البلادة من جديد. مترفون في بيروت يحسَبون أن ما يحصل في القاهرة امتداد لانتفاضة 14 آذار. يحق لهم توهّم ما يريدون. ولكن هل يسألون أنفسهم إن كان بين الحشود من يسمع بهم أو بقادتهم الانتهازيين الذين لا يعرفون ماذا يفعلون اليوم، وجلّ اهتمامهم الاحتفاظ بمكاسب غير مشروعة حصلوا عليها بسبب وصولهم إلى السلطة بقوة الخارج؛ سوريا تارة، وأميركا والسعودية تارة أخرى؟ أو هل يسأل هؤلاء أنفسهم ما إذا كانوا يقدّرون أن المتظاهرين المنتشرين في كل مصر يريدون التسوية مع إسرائيل، أو يريدون ديموقراطية أميركا وأوروبا العجوز الكاذبة؟ أعرف أن شيئاً وحيداً يغيظهم، لكن لا بأس من استفزازهم وهم في غيبتهم الكبرى، بأن صوراً لقائد المقاومة السيد حسن نصر الله رفعها المتظاهرون إلى جانب صور لعبد الناصر، لا لسعد الحريري. ولعل هؤلاء المثقفين، المندثرين كما أقوالهم وأحلامهم، يبعثون الآن ببرقيات التهئنة إلى زميلهم جابر عصفور، الذي بدا مثل الغبار لا أكثر وهو يقف أمام المومياء!.
وسط النخب أيضاً من ينتظر انتفاضات ممكنة في دول كثيرة. ربما في سوريا كما في بقية دول المغرب العربي أو دول الخليج. لكن هؤلاء يعتقدون أن انهيار النظام في سوريا سيعيدهم سادة إلى السلطة في لبنان. هم يعبثون بأحلامهم وهم يحسبون أن أمراً كهذا سيحصل. وربما هم يعدّون لذلك شعارات ينوون رفعها في 14 شباط المقبل. اللهم إلا إذا كان هؤلاء سيرفعون صور عمر سليمان خجلاً من رفع صور حسني مبارك.
وسط وسائل الإعلام بيننا، هزال رهيب. محطات التلفزة في بلادنا وفي دول كثيرة في المنطقة تبدو محلية جداً. تبدو بلا إضافة مهنية. بلا قدرة على التفاعل. بلا جهوزية لاستقبال أحداث بهذا الحجم والتعامل معها. في لبنان مثلاً، فضيحة في المؤسسة اللبنانية للإرسال، وثمة غياب معروف الأسباب لمحطة المر تي في، وثمة عجز مهني في محطة أو. تي. في، وثمة تقاعس غير مبرر في قناة المنار، بينما يعتقد أهل «المستقبل» أن قناة العربية المملوكة من المصدر نفسه تقوم بواجبها في الدفاع عن نظام بائد، لن يعيش على دماء الناس بعدما عاش على قوتهم. وثمة صحافيون لا يريدون الإقرار بأن عاصفة كبيرة تهبّ على مصر، ورياحها ستصيب كل المنطقة.
وسط الجمهور كسلٌ غير مفهوم. ما الذي يمنع قوى يسارية في مقدمها الحزب الشيوعي، أو القوى الناصرية، من التنظيم الناصري في صيدا إلى حزب الاتحاد في البقاع إلى حركة الشعب في بيروت، إلى المئات من الناشطين اليساريين وطلاب حزب الله وطلاب المجموعات الغاضبة، من النزول إلى الشارع، واحتلال محيط السفارة المصرية، ومواجهة سفارات الولايات المتحدة وفرنسا، والضغط لنصرة حقيقية للشعب الثائر في مصر. ألا يصيب هؤلاء جميعاً الخجل وهم يشاهدون بضع عشرات من الشباب، نصفهم من العمال المصريين يقفون قرب السفارة المصرية؟
ماذا يفعل المواطن العربي في لبنان؟ لا شيء حتى الآن، لا شي على الإطلاق. ليس بين كل هؤلاء وفاء لشعب مصر الذي لم يكن يوماً حيادياً في مواجهة قضايانا. ما الذي يجب أن يحصل حتى تتحرك الدماء في أطرافنا فنتحرك خارج المكاتب والغرف المغلقة؟