منذ أن زرت مصر للمرة الأولى، وأنا أحاول أن أتقن اللهجة المصرية. أردت أن أمشي في الشارع وأكلّم الناس بلهجتهم. أردت أن أشعر أنني من المكان، وأن يرونني كواحدة منهم لا كغريبة عابرة. لذلك، حرصت منذ اليوم الأول على أن أتكلم باللهجة المصرية، إلا أنني لم أنجح في أن أكون «مصرية»، فسرعان ما يفسد سائقو التاكسي فرحتي، عندما يسألونني عن أصلي. عرفت منذ ذلك الحين أن سائقي التاكسي هم اختبار اللغة، فإن أردت أن أتأكد من نطقي للهجة المصرية بدون أخطاء، بات لزاماً عليّ أن أقنع هؤلاء أولاً.


أذكر جيداً التاكسي الذي استقليته من الحسين إلى العجوزة. يومها، تكلمنا قليلاً، لكنه لم يسألني عن أصلي. شعرت بفرحة عارمة وتأكدت من أن اللهجة لا غبار عليها بعد الآن، وأنني سأتحدث إلى أي شخص في الشارع، وكأني ولدت هنا. كنت، فعلاً، أود التقليل من احتمالات غربتي. حاولت أن أحفظ شوارع القاهرة منذ اليوم الأول. لم أكن أعي الفارق في «الحجم» بين المدينتين، وأنا الآتية من بيروت الصغيرة، التي أحفظ طرقاتها وزواياها. لم أفهم حجم القاهرة إلا بعد حين.

ليست كل تجارب التاكسي في القاهرة ممتعة بل يمكن أن تكون كابوساً


تناقشنا أنا وعدد من أصدقائي عما إذا كان المقهى هو نفسه مقهى «خمسة باب» الشهير
وعندها، قررت أنه ليس مهماً أن أحفظ المدينة كاملة، بل يتوجب عليّ التركيز على منطقة أو اثنتين كحد أقصى، أو ربما تركيز اهتمامي على أحد الأحياء. هنا أيضاً، كان التاكسي هو الاختبار. كنت أطلب من السائق أن يوصلني إلى المكان، قبل أن أغوص في رحلة التعرف إلى بعض «ملامحه». لكنني لم أنجح في الاختبار الحقيقي، إلا عندما بدأت أطلب من السائق سلوك طريق معين لأصل إلى وجهتي. «تطورت» مهاراتي. صرت أعرف أي من الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات الذروة الكثيرة هناك، كما صرت أعرف اختيار الطريق الذي سأسلكه سيراً على الأقدام بدلاً من ترك الموضوع لضمير السائق.
وبما أن التاكسي هو بطل القصة، فلنقل إذن بأن أجمل اللحظات تكون عندما تسمع أغنية أم كلثوم أو كارم محمود معه وتتركه لتكملها في الشارع من مذياع في مقهى أو من سيارة أخرى تمر بقربك وأنت تكمل طريقك سيراً على الأقدام، فتشعر بأنك وكل سكان المدينة تعيشون بتناغم وتستمعون إلى الأغنية نفسها في الوقت نفسه.
ليست كل تجارب التاكسي في القاهرة ممتعة، بل يمكن أن تكون كابوساً يومياً أو همّاً ثقيلاً تحمله في كل مرة تستقل فيها سيارة. لكنها في أحيان كثيرة، تكون المقياس. فبإمكانك أن تقيس المزاج العام على «وحدة» التاكسي، أو مدى تحملك لشوارع مصر. التدين ونوع الموسيقى والمشاكل الزوجية والمجتمعية والأمان، كلها أمور ينفع قياسها أيضاً على وحدة التاكسي.
مع ذلك، لا يمكنني أن أنسى ذلك اليوم ـ بشمسه الحارقة وساعاته الطويلة والمملوءة تعباً ـ وأنا أتنقل بين أرجاء هذه المدينة الكبيرة وقد بدأ يضيق بي الحال وبدأت أسأل نفسي: ما الذي أتي بي أصلاً إلى هنا؟ وفي زحمة الأسئلة، طلبت من السائق التوقف. توقف، وحين سألته عن الأجرة المطلوبة، رفض أن يأخذها وقدّم لي وردة وقالي لي:»دي علشانك يا بنتي».
أخذت الوردة ونزلت من السيارة ومشيت مذهولة. يومها، اقتنعت أنه ما زال لدى هذه المدينة الكثير لتقدمه لي.