... وانطلق مونديال البرازيل. ذاك الحلم الذي قطع بلدان وعَبَر محيطات، أبصر النور في بلاد «سحرة الكرة» أمس. كل الكرة الأرضية كانت هناك، كل القلوب كانت هناك، كل الآمال كانت هناك، وكل الفرح كان هناك. ليلة أمس، كانت ساو باولو الحدث والعنوان، والبداية لأحلى الليالي والأيام.

أيام تلهّفت لها الأعين والقلوب طيلة 4 سنوات، ونسجتها الأذهان صوراً لا تحكي إلا لغة الفن والجمال. أيام انتظرها كتاب المونديال ليخطها على صفحاته أحلى الكلمات. كلمات ستعزفها الأقدام أروع الألحان، وسترسمها الأنامل لوحات تستذكرها الأجيال. أجيال ما انفكت تشرب عذب الكرة من بحر هذا الكرنفال. كرنفال ما برح يقدّم لآلئ مضيئة في سماء الكرة ولحظات حفرت عميقاً في البال. مذ كانت الومضة الاولى في 1930 في مونتيفيديو في الأوروغواي، مذ خرج بعدها الينا بيليه واوزيبيو وفرانتس بكنباور ويوهان كرويف ودييغو أرماندو مارادونا وقبلهم وبينهم وبعدهم سحرة أدهشوا العقول، وسكنوا أحلى الذكريات.

إنه الثاني عشر من شهر حزيران لعام 2014 إذاً. عبق هذا الماضي كان كله في ملعب «أرينا كورينثيانس» في ساو باولو، والآمال تتطلع إلى فصل جديد، وما أحلاه في بلاد الكرة، ليرفد تاريخ المونديال بسيل من رونق الكرة الجميلة.
إنها ساو باولو إذاً، فتحت ذراعيها أمس لبداية الحلم، وما أروعها من بداية في حضرة الملوك وأرباب الفن ومتعة الكرة.
ها هم ملوك الكرة بزيّهم الأصفر الأزلي يدخلون الملعب، وأين؟ في أرضهم التي أدهشت، ولا تزال، العالم بأجيال وأجيال من السحرة. يا لهذا المشهد التاريخي: منتخب البرازيل يلعب المونديال على ملعبه. التاريخ؟ نعم، هو أول من حضر الى الاذهان في هذه اللحظة. في لحظة، عادت الذاكرة الى مونديال 1950، حين استضافت البلاد أول كأس للعالم على أرضها، لكن الحرقة كانت كبيرة بالخسارة أمام الجارة الاوروغواي في النهائي على ملعب «ماراكانا» الشهير. ومذ ذلك التاريخ والبرازيليون ينتظرون هذه اللحظة. لحظة أن تعود الكأس العالمية الى أرضهم، ويقولون للعالم: لن تخرج هذه المرة من هنا.


حصل فريد على
ركلة جزاء «هدية» من قبل الحكم الياباني يويشي نيشيمورا

المشوار الثاني بعد 64 عاماً نحو الـ«ماراكانا» يبدأ من بوابة كرواتيا. الكروات هم الخصم الأول إذاً. الآمال كبيرة على الجيل الجديد الشاب بقيادة نيمار وزمرته. لقد بدأت الحكاية.
حفل الافتتاح البسيط ينتهي. البساط الأخضر ينكشف تماماً أمام الأنظار. تقابله زرقة السماء الصافية، وما بينهما اللون الأصفر يطغى على المدرجات. إنه الأخضر والأزرق والأصفر ألوان علم البرازيل... كل شيء الليلة برازيل.
الصرخات تعلو فجأة في المدرجات. لا شيء مستغرباً، فها هم «راقصو السامبا» يدخلون الميدان للإحماء. الحماسة تزداد. العدسة تلتقط، بطبيعة الحال، نيمار قبل الجميع. يبدو حامل الآمال البرازيلية و«بيليه عصره» مفعماً بالحيوية والنشاط وهو يُجري الإحماء. على الجهة المقابلة، الكروات يبدون كالغريبين في الميدان أمام السيل الأصفر في المدرجات الذي لا تخترقه إلا قلة قليلة من الألوان البيضاء والحمراء.
صفارة البداية تقترب. اللاعبون باتوا في أتمّ الجاهزية في الممر المؤدي الى الملعب. الكروات يتبادلون التحية ويرمقون المفاجأة التي تحدّث عنها مدربهم قبل المباراة. أما البرازيليون فيدخلون الملعب بنحو لافت متماسكي الأيدي. أما تردادهم للنشيد الوطني مع جمهورهم فكان أكثر وقعاً. وقبل صفارة البداية بثوانٍ، تحية من النجمين، السابق كافو والحالي كاكا الغائب عن الحدث.
كان متوقعاً بعد كل هذا المشهد الحماسي للبرازيليين أن يكونوا هم المبادرين الى الهجوم، لكن العكس هو ما حصل منذ صفارة البداية، حيث باغت الكروات خصومهم بالضغط العالي الذي أربك الدفاع الأصفر، ولم يكتفوا بذلك، بل انطلقوا بشجاعة نحو المرمى البرازيلي حيث شكلت رأسية ايفيكا اوليتش بعد عرضية من الجهة اليمنى والتي مرت بمحاذاة القائم الأيمن، الإنذار الاول (7)، لتأتي الصدمة للبرازيليين سريعاً في الدقيقة 11 عندما مرر ايفيكا أوليتش كرة عرضية عن الجهة اليسرى، التي شكّلت نقطة ضعف «السيليساو»، تابعها مارسيلو خطأ في شباكه، وسط ذهول الحضور.
لكن ما يحسب لـ«راقصي السامبا» أنهم تمكنوا من استيعاب الصدمة على وقع صيحات مدربهم لويز فيليبي سكولاري. التعليمات كانت واضحة: تأمين المنطقة الخلفية، وإيصال الكرة الى نيمار حامل الآمال. وبالفعل بدا نيمار كل شيء في البرازيل: صانع الالعاب، وقاطع الكرات، ولاعب الجناح السريع تارة من الميمنة وأخرى من الميسرة، والقلب النابض ومحور العمليات، وطبعاً المسجل، وتحديداً في الدقيقة 29، من انطلاقة من منتصف الملعب وتسديدة ذكية من خارج المنطقة على يسار الحارس ستيبي بليتيكوسا.
الشوط الاول ينتهي على تعادل 1-1. بعض الارتياح يدخل قلوب البرازيليين.
الشوط الثاني ينطلق. الامور لم تتبدل كثيراً. ظل البرازيليون الأكثر استحواذاً على الكرة، لكن من دون خطورة كبيرة، مقابل ارتداد دفاعي للكروات للحفاظ على التعادل الثمين. ومجدداً ظل نيمار صاحب الخطورة مع كل كرة يتسلمها بمساندة وحيدة من الموهوب أوسكار الذي صنع الهدف الثاني بتمريرة لفريد الذي رمى بنفسه داخل المنطقة حصل على اثرها على ركلة جزاء «هدية» من قبل الحكم الياباني يويشي نيشيمورا كان لها الأثر الكبير في تحديد هوية الفائز. ومجدداً الكلمة العليا لنيمار الذي تمكن من ترجمتها بنجاح، رغم أن بليتيكوسا كاد يصدّها.
الدقائق الأخيرة اختصرت المشهد البرازيلي في أمسية الافتتاح: خروج نيمار في الدقيقة 88، وبطبيعة الحال لم يكن سوى أوسكار الوحيد القادر على قيادة البرازيل، وقد ترجم ذلك بهدف رائع (90) بعدما فتح الكروات ملعبهم مندفعين الى الهجوم، بعدما كانوا قريبين من إدراك التعادل عبر تسديدة قوية من البديل إيفان بيريسيتش.
البرازيل في الافتتاح عبارة عن نيمار وأوسكار. ولو أنها استحقت الفوز لأنها كانت الطرف الأفضل، لكن ما بين هذين النجمين كان هناك خطأ تحكيمي مؤثر. يبدو أن الطريق ليس سهلاً على الإطلاق لـ«راقصي السامبا» نحو الـ«ماراكانا».
(الأخبار)