يتزايد الكلام عن أزمة مالية قد تتحوّل إلى انهيار. النقاش لا يتمحور حالياً حول أصل الأزمة الفعلية الكامنة في بنية الاقتصاد اللبناني الذي يعاني من تهميش قطاعات الإنتاج، بل حول احتمال انهيار «النموذج» الحالي الذي رفع السياسات المالية ــ النقدية إلى أعلى مرتبة اقتصادية. يؤمن هذا «النموذج» التمويل الكافي لإنفاق السلطة بما تقوم به من هدر وفساد.


لم تتوقف هذه السلطة عن هذا النمط الإنفاقي ليرتفع العجز إلى 12000 مليار ليرة في مشروع موازنة 2018. ليستمر هذا الوضع، فرض «النموذج» أولوية ثانية وهي تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. هذه الأولوية تستدعي أن يحتفظ مصرف لبنان بموجودات هائلة بالعملات الأجنبية تفوق نصف الناتج المحلي الإجمالي، وتعادل سنة ونصف سنة من الواردات لخلق ما يسمّى «ثقة». أما تكوين هذه الموجودات فيتطلب تدفقات بالعملات الأجنبية تُجذب إلى لبنان بواسطة «الثقة» ورفع أسعار الفائدة المحلية مقارنة مع الفائدة العالمية. هذا المسار أدّى إلى طغيان السياسات المالية ــ النقدية على كل القطاعات الانتاجية، فبدأ الاستهلاك المحلي يعتمد بنسبة كبيرة على الاستيراد الذي يدفع ثمنه المجتمع اللبناني بالعملة الأجنبية. هكذا ارتبطنا بشكل وثيق بالتدفقات بالعملات الأجنبية، ولم نعد قادرين على تقليصها ولا تخفيف كلفتها. كلما زاد الاستهلاك العام والخاص زادت حاجتنا إلى التدفقات. معادلة تتطلب ظروفاً معيّنة ليست متوافرة دائماً، ما يترك المجال واسعاً لظهور تصدّعات في «النموذج» يمكن قراءتها من خلال عدّة مؤشرات، مثل ميزان المدفوعات ونموّ الودائع والعجز التجاري والحساب الجاري وغيرها.

المخاوف من الانهيار

تراكم التصدّعات ترك مخاوف في السوق من أن تتحوّل إلى نمط مدمّر. هذه هي حقيقة المخاوف من الانهيار. المشكلة أن النقاش يدور حول طرق إنعاش «النموذج» ويغيب بشكل كامل عن «إصلاح» النظام الاقتصادي. هو النقاش نفسه الذي كان قائماً قبل انعقاد مؤتمرات الدعم السابقة في باريس. همّهم هو الحفاظ على «النموذج» والمكتسبات المالية لقوى السلطة واستمرار الغرف من المال العام لتأمين استمراريتهم في السلطة.


ارتفع العجز التجاري
من 17 مليار دولار
في 2014 إلى
20 ملياراً في 2017

في هذا الإطار، شكّل نموّ الودائع نقطة ارتكاز «النموذج» لقياس كفاءة السياسات النقدية في الحفاظ على «النموذج» على مدى عقدين ونصف عقد. يجب أن يكفي نموّ الودائع لتغطية إقراض الدولة (الدين العام)، والقطاع الخاص، ولتكوين سيولة احتياطية. بمعنى آخر، إن «النموذج» يتغذّى من التدفقات المالية بالعملات الأجنبية، وأي ضعف في وتيرتها يشكّل خطراً على استمرارية «النموذج».
صندوق النقد الدولي قال في بيانه الأخير إن نموّ ودائع القطاع الخاص تراجع إلى 3.8% في 2017 «وهو أدنى من متوسط النموّ في السنوات السابقة».
لم يعد تدفق الودائع من الخارج كالسابق. في مطلع الألفية الحالية، كانت المعدلات كافية لتغذية النموذج، إذ نمت الودائع بنسبة 14.5% في 2003، واستمرّت هذه الكفاية في السنوات اللاحقة، وخصوصاً بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008 حين سجّل معدّل نموّ الودائع 15.7% ثم ارتفع إلى 23% في 2009.
في كل مرحلة، كانت هناك ظروف إقليمية ودولية تلعب دوراً مهماً لتحفيز التدفقات إلى لبنان، مثل مؤتمرات الدعم من باريس 1 و2 و3، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية لتخلق ظرفاً استثنائياً استقطب 18.7 مليار دولار في 2009 وحدها. هذه المبالغ أتت هرباً من انهيار أسعار الفائدة العالمية إلى صفر وما دون في مقابل أسعار أعلى للفائدة المحلية تتراوح بين 6% و7% آنذاك.

ميزان المدفوعات يسجل عجزاً

مع انحسار تداعيات الأزمة العالمية تدريجياً، وبدء الحرب السورية في 2011، بدأت الظروف الإقليمية والدولية تعاكس السياسة المالية في لبنان. ميزان المدفوعات بدأ يسجّل عجزاً. هذا الميزان يقيس صافي العمليات المالية بين لبنان والخارج، سواء كان مصدرها السلع أو الخدمات أو التدفقات النقدية. هذا يعني أن نموّ الودائع لم يعد يكفي لتلبية حاجات لبنان، وأن مصرف لبنان يغطّيها من خلال استعمال احتياطاته بالعملات الأجنبية.
في عام 2011، انخفض نموّ الودائع إلى 8.3% ثم بدأ المسار الانحداري نحو4.7% في 2015. أصبح الأمر خطيراً في عام 2016، ما دفع مصرف لبنان إلى القيام بهندسات مالية مع المصارف تتضمن تسييل سندات خزينة بقيمة تزيد على 16 مليار دولار وتؤمن أرباحاً لها ولكبار الزبائن بقيمة تزيد على 5.5 مليارات دولار.
وبحسب مصادر مقرّبة من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، نتج من عملية التسييل ارتفاع حاد في القيمة الفعلية لسعر الصرف. ضعفت الليرة بنسبة 38%، فيما بدت كمية الدولارات المستقطبة زهيدة أمام الكلفة المدفوعة.
ومع حلول 2017، لجأ مصرف لبنان إلى هندسات جديدة، لكن النتيجة كانت مختلفة عن رغبات «المركزي». بلغ معدل نموّ الودائع 3.8%، أي أقل من النموّ التلقائي للودائع بسبب الفوائد. وبحسب جمعية المصارف، فإن أسعار الفائدة على الودائع بالليرة بلغت 5.95%، ومعدّل الفوائد على الودائع بالدولار بلغ 3.8%، علماً بأنه طرأت زيادات بنقطتين أو ثلاث نقاط مئوية على الفوائد في لبنان خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2017، أي إن كلفة الودائع في 2018 ستكون كبيرة، وذلك من دون الأخذ في الاعتبار أن أسعار الفائدة العالمية على ارتفاع وأنها قد تُدخل النموذج في نفق رفع أسعار الفائدة أو اللجوء إلى هندسات غير مجدية. في المجمل، الودائع بدأت تنسحب من لبنان.

الهندسات المالية... والعجز المتراكم

أضف إلى ذلك أن صندوق النقد انتقد مصرف لبنان على الأدوات التي استعملها في هذه المواجهة. الصندوق يرى أن توسّع مصرف لبنان في عملياته المالية غير التقليدية واستحداث عمليات مالية جديدة منذ صيف 2016 «رفعا بسرعة درجة تعرض المصارف لديون مصرف لبنان»، وأن المركزي اضطر إلى العودة لاستعمال الأدوات التقليدية، أي «زيادة بنسبة نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية في سعر الفائدة على ما تحمله المصارف حالياً من سندات مصرف لبنان الطويلة الأجل».
لا ينكر صندوق النقد أن هذه العمليات عزّزت احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ورفعت رساميل المصارف، إلا أنها «فرضت كلفة على ميزانية مصرف لبنان وعلى مركزه الصافي بالعملات الأجنبية، واتسمت بطابعها التنازلي».
في الواقع، حققت الهندسات المالية لمصرف لبنان فائضاً في ميزان المدفوعات لسنة 2016 فقط، لكنها لم تتمكّن من تعويض العجز المتراكم منذ 2011، ولم تستطع كسر النمط السلبي، بل عاد العجز في 2017 وسجّل عجزاً بقيمة 155 مليون دولار، رغم أن مصرف لبنان أدخل سندات خزينة يحملها في محفظته ضمن مكوّنات احتساب هذا الميزان.
هكذا يمكن تفسير قصد صندوق النقد الدولي عن أن «عجز الحساب الجاري ظل أعلى من 20% في 2017»، وأن هناك «اختلالات خارجية كبيرة ومزمنة». عجز الحساب الجاري هو أحد مكوّنات ميزان المدفوعات الذي يدخل فيه صافي عمليات التبادل التجاري الخارجي، وصافي قيمة عمليات التبادل الخدماتية، بالإضافة إلى جزء من التبادل المالي، أي إنه يعبّر، للتقنيين، بشكل واضح عن القيمة الفعلية لسعر الصرف، لذا يشير الصندوق إلى أن «سعر الصرف الفعلي الاسمي سجل ارتفاعاً حاداً في السنوات الأخيرة، كما زاد سعر الصرف الفعلي الحقيقي بنسبة 2.8% في عام 2017».
على هذه القاعدة، يمكن قياس تورّم الودائع نسبة إلى الناتج المحلي، والتغيّر في هوية حاملي الدين العام بالعملة المحلية بعدما بات مصرف لبنان يحمل 48% من الدين بالليرة، أي بزيادة 5 نقاط مئوية مقارنة مع 2016، فيما تضع المصارف ودائع بقيمة 103 مليارات دولار لدى مصرف لبنان!

لبنان على مفترق طرق

هناك الكثير من الاختلالات البنيوية، لكن صندوق النقد يتوقع «أن تصل أرصدة المالية العامة الكليّة إلى مستوى أعلى بكثير من 10% من إجمالي الناتج المحلي، وأن يقترب الدين العام من 180% من إجمالي الناتج المحلي مع حلول عام 2023. وسيظل عجز الحساب الجاري كبيراً». حسابات الصندوق أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي تبلغ اليوم 150% ولا تأخذ في الاعتبار أن عجز مشروع موازنة 2018 بلغ 12000 مليار ليرة. ارتفاع العجز إلى هذا المستوى سيجعل وتيرة ارتفاع الدين أسرع، وربما يصل لبنان إلى نسبة الـ180% باكراً جداً، ليصبح هدفاً لمؤسسات التصنيف الدولية التي لن تتردّد في خفض تصنيفه.
واللافت أن الصندوق يراعي إمكانية حسم القضية السورية مبكراً وانعكاس ذلك على لبنان، فيشير إلى أن «لبنان سيصبح في وضع أفضل يتيح له الاستفادة من جهود إعادة الإعمار (في سوريا)، فضلاً عن عودة النشاط التجاري وتحسن ثقة المستثمرين الإقليميين... وإن لم يكن كافياً لإعادة الدين إلى حدود يمكن تحملها دون الحاجة إلى إجراءات الضبط المالي».
في ظل هذه الوقائع، يبدو لبنان على مفترق طرق. أما شراء الوقت بهندسات من كل حدب وصوب فهو أمر مكلف وجدواه ليست أكيدة. أما الإصلاحات المطلوبة، فهي أكثر خطراً من احتمال انهيار «النموذج»، فالصندوق لم يسجّل اعتراضاً صريحاً وواضحاً على سياسة تثبيت سعر الصرف، بل لمّح إليها، ولم يتحدّث عن استبدال «النموذج» بآخر تكون فيه القطاعات المنتجة أساساً لتخفيف عبء الحاجة إلى استقطاب العملات الأجنبية، بل هو يتحدّث عن الحفاظ على «النموذج» مع بعض التعديلات عليه، أي أن يبقى لبنان معتمداً في استهلاكه على استيراد 85% من السلع التي يدفع ثمنها بالعملات الأجنبية. قيمة هذه الواردات كانت 20.5 مليار دولار في 2014، وارتفعت إلى 23.1 مليار دولار في 2017. العجز التجاري كان يبلغ 17.2 مليار دولار في 2014 وارتفع إلى 20.3 مليار دولار في 2017. هل إنقاذ «النموذج» يستأهل كل هذه الكلفة؟ وما الذي يمنع بلوغه حافة الانهيار مجدداً؟