صادمةً كانت النسخة المسرّبة عن البيان الوزاري لحكومة الرئيس المكلّف حسان دياب. فالكلام الإنشائي وذكر محطّة 17 تشرين الأول، لا يكفيان لتغيير السياسات النقدية والمالية في البلاد، والتي لم تظهر النسخة الأولى من البيان أيّ نيّة لتغييرها، خصوصاً في مسار الخصخصة ودعم المصارف على حساب عامة الشعب. إلّا أن كلام وزير الصناعة عماد حب الله، مساء أمس، خفّف من وطأة ما جرى، عبر إعلانه أن «ما تسرّب عن البيان الوزاري سترون شيئاً مختلفاً عنه تماماً».

خلال الاجتماعات الطويلة التي شهدتها لجنة صياغة البيان الوزاري الأسبوع الماضي وبداية هذا الأسبوع، حرص وزير المالية غازي وزني على التهرّب من نقاش الورقة المالية المقدّمة من قبله، محاولاً إسقاطها كما هي على البيان. هذا لا يعني أن استمرار نهج السياسات المالية يتحمّل مسؤوليته وزني وحده، لكن يعكس تمسّك غالبية الفرقاء السياسيين بهذا النهج، وكأن ثلاثة عقود من الفشل لم تكفِ، وأن المطلوب أن يكون الطريق إلى حلول صندوق النقد الدولي وخصخصة مقدّرات الدولة، قدراً للبنانيين.
المعلومات الآتية من داخل اللجنة الوزارية المكلّفة بصياغة البيان ليست وفيرة. لكن علمت «الأخبار» أن الوزراء ريمون غجر (الطاقة) وراوول نعمة (الاقتصاد) وزينة عكر (الدفاع) وحب الله أصرّوا على مناقشة التفاصيل المالية في ورقة وزني، وهذا ما حصل في اجتماع دام ست ساعات أمس.
وبحسب المعلومات، فإن تعديلات جذرية لم تدخل على البيان، إلّا أن اعتراض حب الله على بنود الخصخصة سمح بتعديل تلك المواد، وبدل أن تتعهّد الحكومة بالخصخصة كخيار محتوم، كما كانت الحال في النسخة المسرّبة، جرى الاتفاق على تعديل النص، واستبداله بالحديث عن دراسة إمكانية الخصخصة، تحت عنوان الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
أمرٌ آخر استدعى تعديلاً أساسياً، لا سيّما ما ورد حول إجراء انتخابات نيابية مبكرة، والتزام الحكومة بإجرائها. فالحديث عن انتخابات مبكرة لم يكن خياراً أبداً بالنسبة إلى القوى السياسية الرئيسية، لا سيّما حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، التي تعتبر أن الانتخابات النيابية الأخيرة عكست تمثيلاً أفضل من النتائج التي أتت بها كل القوانين السابقة. وبحسب المعلومات، فإن موضوع إجراء الانتخابات المبكرة تحوّل إلى العمل على تطوير قانون الانتخاب، من دون تقديم تعهّد من الحكومة بإجراء الانتخابات.
وأعلنت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد من جهتها، بعد اجتماع لجنة صياغة البيان الوزاري، أن الحكومة ستجتمع بعد غدٍ الخميس، لإقرار البيان بصيغته النهائية وإحالته إلى مجلس النواب الذي سيعقد جلسة الثقة يوم الثلاثاء المقبل. وبحسب المعلومات، فإن رئيس المجلس نبيه بري وعد بإجراء اتصالات لإقناع النواب بإنجاز الجلسة في غصون وقت قصير، وأن تختار كل كتلة نائباً واحداً منها يعبّر عن موقفها. وفي إطار مواقف الكتل النيابية من الحكومة الجديدة، أكّد النائب بلال عبد الله ما كان تسرّب سابقاً عن نيّة وزراء اللقاء الديموقراطي حضور الجلسة وعدم منح الثقة للحكومة.

حاول وزير المال حصر النقاش بالورقة المالية وإسقاطها في البيان الوزاري كما رفعها


إلّا أن اللافت أمس، كان موقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي أطلق سلسلة تصريحات إيجابية تجاه الحكومة، بعد اجتماع تكتل الجمهورية القوية. وبحسب أكثر من مصدر سياسي مطّلع على مجريات الأحداث الأخيرة في البلاد، فإن موقف جعجع ينبع من إحساسه بالعزلة الداخلية وسوء علاقاته مع الجميع تقريباً، ومعلوماته عن أن الموقفين الأميركي والسعودي ليسا سلبيين تجاه الحكومة. وقال جعجع إن «تكتل الجمهورية القوية سيحضر جلسات الثقة من باب حرصه على استمراريّة عمل المؤسسات الدستورية، إلا أنه لن يعطي الثقة للحكومة»، مشيراً إلى أن «القوات لن تهاجم الحكومة على غير هدى، لذا سننتظر لنرى ماذا ستقوم به. صحيح أن الخطوة الأولى بما خصّ إقرار الموازنة لا تبشر بالخير، إلا أن تعاطينا سيكون معها خطوة بخطوة؛ فعندما تقوم بعمل جيّد سنؤيّده وعندما تخطئ سنقوم بانتقادها». وأضاف أن «هناك عدداً من الوزراء في هذه الحكومة من أصحاب السمعة والسيرة الجيدتين، إلا أننا سننتظر لنرى إن كانوا سيتصرفون بناءً على ما تمليه عليهم خلفيتهم الاختصاصية والأخلاقية أو أنهم سينصاعون للإملاءات السياسيّة لمن سمّوهم في الحكومة».