ليس كمال داود حالة معزولة للأسف، بل سمة من سمات المرحلة، حالة نموذجيّة مرشّحة للانتشار والتفشّي. الجسد العربي المريض مهدّد بنوع من النزيف القاتل، يمكن أن نسمّيه خيانة المثقفين والمبدعين. هذا العارض المقلق، علينا فهمه وحصره والبحث عن سبل مواجهته. من حالات معزولة، في العقود الماضية، إلى نزعة مترسّخة تهدد بابتلاع الكثيرين في زمن التفتت والانهيارات، زمن تزييف الوعي، وتلفيق القيم.


شعوبنا الغارقة في مستنقع الحروب الأهلية، المقيّدة بالخوف والعصبيّات، مطالبة اليوم بالتنازل النهائي عن حقوقها. ومسيرة الاستسلام هذه، قيادتها منوطة ببعض النخب العربيّة، المتأرجح بين كبت ويأس، بين إخفاقات واغراءات، الباحث عن الخلاص الفردي، مستبدلاً بقناعاته القديمة هاجس الارتقاء و«النجاح». كتابنا ومبدعونا ومفكرونا مطالبون اليوم بالانسحاب من معركة التحرر والتقدّم الحقيقية، ليصبحوا «أبطالاً» متوجين في الغرب، «خوارج» من الكرتون يحاربون أهلهم ويخدمون جلادهم. صحيح أن التنكر للجماعة وأبلستها والتنظير لتخلفها والتنازل عن حقوقها، تدرّ عليك، في الغرب، «الشرعيّة» والاعتراف وتجلب فرص العمل والانتاج والرواج. أما الوقوف مع الناس، في قلب المعمعة، والصراع، من داخل الواقع الصعب، ضد الظلم والانحطاط والهيمنة، فلا يجلب لك إلا مزيداً من المتاعب والفقر والتهميش.
بدلاً من التخبّط في الرمال المتحرّكة لمجتمعات يتحالف فيها القهر والحرمان والتعصب والجهل مع الاستبداد والتبعيّة، المبدعون والكتاب العرب مدعوون للهجرة إلى سيرك «تقدمي» و«انسانوي» و«علمانوي»، ظريف ومريح، ليصبحوا قروداً في سيرك الرجل الأبيض، وكومبارساً في كارنفال يخفي خلف ازيائه التنكرية موتهم الفردي والجماعي. يتطلّب ذلك الاستسلام قدراً كبيراً من الدونيّة، وكره الذات، ومنسوباً عالياً من الانتهازيّة: هذه الآفة التي تصيب المثقفين قبل سواهم. في زمن المكارثيّة، شهد السينمائي الأميركي إيليا كازان ضدّ رفاقه الشيوعيين أمام «لجنة النشاطات المعادية لأميركا». اليوم بعد أكثر من نصف قرن، هل يشهد المثقف العربي ضد أهله ويخون شعبه! هل يمكن، في بلد كاتب ياسين، أن يتحوّل هذا الكاتب أو ذاك، حصان طروادة الذي يتسلل عبره الرجل الأبيض لاستعمار عقولنا وضمائرنا؟
كمال داود، الصحافي الجزائري المقتدر، والكاتب الموهوب الذي كان يعلن تضامنه مع المقاومة، في الصحافة الجزائريّة، صيف 2006، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان… يجد نفسه بعد عقد ونيّف في الموقع النقيض، شاهد زور ضد أهله وشعبه، وضد القضايا العربيّة المحقّة التي دافع عنها ذات يوم. كيف حدث ذلك؟ هذا ما نحاول أن نفهمه في هذا الملف، من خلال محاولة تفكيك السرديّة المهيمنة التي تحرّف طبيعة الصراع، بأقلام جزائرية تمثل الحساسية الجديدة. من حق كمال داود، أن يعيد النظر بالمسلّمات، وينتقد المحظورات. لكن ليس من الشجاعة في شيء القفز في مستنقع «رهاب الاسلام» الذي اعترى فرنسا المأزومة، الرازحة تحت عبء سياساتها الاستعماريّة. في تنازله للخطاب المهيمن، مقابل الشهرة والنجاح والشرعيّة في فرنسا، يذكّرنا كمال داود بالدكتور فاوست ـــ بطل غوته الشهير ـــ الذي وقّع عقداً مع الشيطان «ميفيستو». لقد قايض روحه بـ «الحياة الأبديّة». فماذا تنفع الحياة بلا روح؟ ماذا تنفعك الشهرة إذا لم تكن أكثر من «عربي نظيف»؟