يتساءل أصحاب العقول الجامدة: ما الجديد في عودة الجيش السوري إلى الحدود مع الجولان المحتل والكيان الصهيوني؟ ألم يكن هناك قبل 2011؟ طبعاً، كان هناك، لكن في سياق ستاتيكو سياسي وميداني لم يعد قائماً. الحرب على سوريا هي التي كسرت ذلك الستاتيكو لمصلحة إسرائيل على ثلاثة مستويات: استنزاف قدرات الجيش السوري، وتحصين احتلال الجولان، واقعياً، بتمزيق سوريا، وتأمين المحتلّين بحزام أمني تشغله (هل هي مفارقة؟) «جبهة النصرة»، وليدة «القاعدة»؟


ومع فشل هذه الاستهدافات، أصبحت العودة إلى وضع 2011 مطلباً إسرائيلياً؛ فتل أبيب ـ التي تآمرت مع الإرهابيين لطرد مراقبي الأمم المتحدة من شريط 1974 الفاصل بين المنطقتين، المحررة والمحتلة، في الجولان ـ تلحّ، الآن، على عودتهم. سقط مشروع تحويله إلى شريط أمني، فالمطلوب، إسرائيلياً وأميركياً وعربياً، استعادة وضعه الدولي. وفي هذه المقاربة سذاجة أو شطارة رديئة تحاول استدراك الخسارة الاستراتيجية.
ستاتيكو ما قبل 2011 انتهى. الآن، محور المقاومة كله يقاتل في جنوبي سوريا، وسيبقى هناك، وسيقاتل على طول الجبهة الشمالية الممتدة عبر الحدود السورية ـ اللبنانية. هذا المستَجدّ الاستراتيجي هو ما يثير هلع الإسرائيليين، ويدفعهم إلى مناورات سياسية بلهاء. فلماذا سيكون على السوريين القبول ـ بعد هذه الحرب الطاحنة التي خاضوها، طوال أربع سنوات من الدمار والإرهاب والشهداء والجرحى والتضحيات الشعبية الجسيمة ـ بالعودة إلى المربع الأوّل؟ ولماذا يكون على محور المقاومة، ومن ورائه روسيا، القبول بالامتثال، مجدداً، لـ»قواعد اشتباك» انكسرت بثمن باهظ جداً من الدم والمال والقدرات؟ الحرب هي الحرب، والقسم الأكبر من تكاليفها سدّدته سوريا وحلفاؤها بالفعل، ولا معنى لانتهاء الحرب، ليس فقط من دون استرداد الجولان من الإرهابيين الصهاينة في سياق فرض السيادة الوطنية على كل أرجاء سوريا، بل بتغيير ميزان القوى في المنطقة، وقلب المعادلات الاستراتيجية في الصراع العربي ــ الإسرائيلي، رأساً على عقب. أليس هذا هو، بالذات، ما يرعب قوى الضدّ؟ أي أن تنتقل المقاومة وقيادتها وقدراتها ورجالها وحلفاؤها إلى سوريا، ما يفتح الباب أمام تحولات دراماتيكية على مجمل الصراعات والتحالفات والتفاعلات الإقليمية؟

لأول مرة، يكون
مركز المقاومة هو الدولة، ولهذا الوضع استحقاقات جيوسياسية


تواجه إسرائيل مأزقاً مصيرياً؛ إسرائيل التي طالما خشيت من النووي الإيراني، لم تحسب أن إيران ستكون على حدودها، قبل إتمام اتفاق حول الملف النووي مع الأميركيين. سواء تمّ ذلك الاتفاق أو لا، فإن التهديد الإيراني لإسرائيل لم يعد افتراضياً، ولم يعد متعلقاً بالردع بالسلاح النووي الذي يستحيل استخدامه في ظل موازين القوى الدولية، ولكن أصبح ذلك التهديد واقعياً ومباشراً و»تقليدياً». ألم يكن الإيرانيون مع حزب الله في جنوب لبنان والبقاع؟ نعم. ولكن حزب الله هو، في النهاية، طرف في الدولة اللبنانية، وليس هو الدولة، ولا مناط كامل السيادة، كما هي الحال بالنسبة إلى الدولة السورية التي لها كامل الحق في استدعاء أي قوات حليفة إلى أراضيها. لذلك، كنا نلحّ، دائماً، على مركزية سوريا في محور المقاومة، وفي المقاومة، لأن المقاومين في سوريا ليسوا جزءاً من الدولة، بل هم ، بالذات، أصحاب القرار السيادي.
الوضع الدستوري والقانوني لحزب الله نفسه هو في سوريا مكتمل الشرعية أكثر مما هو في لبنان؛ فالمقاومة في لبنان، على رغم قدراتها العسكرية، هي، في السياسة، تيار، بينما هي، في سوريا، مغطاة، سياسياً، من الدولة برمتها.
هذا هو الجديد في حركة المقاومة ضد إسرائيل. فلأول مرة، يكون مركز المقاومة هو الدولة. ولهذا الوضع استحقاقات جيوسياسية أخطر من مجرد الاشتباك الندي مع الكيان الصهيوني؛ فأولاً، يفتح هذا التطور الباب أمام استعادة القضية الفلسطينية ممّا سُمّي «القرار الوطني المستقل» ـ الذي مارسته فتح في أوسلو، ومارسته حماس في التحالف مع قطر وتركيا ضد سوريا ـ إلى حاضنته القومية المدعومة إقليمياً ودولياً. بذلك، سوف يتداعى المشهد الفلسطيني الحالي لمصلحة انبثاق تيار فلسطيني أغلبي ينضوي في مقاومة المركز القومي، ما يستعيد فلسطين، سياسياً، من براثن التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي، إلى خط المقاومة، ويجدد معركة التحرير.
محور المقاومة في جنوبي سوريا سيعيد، أيضاً، العلاقات السلمية بين كلّ من القاهرة وعمان من جهة، وتل أبيب من جهة أخرى، إلى ما قبل «كامب ديفيد» و«وادي عربة»؛ سيجد النظامان، المصري والأردني، نفسيهما أمام استحقاق الخيار بين سوريا وإسرائيل، لا في جدل سياسي، بل ميدانياً وبالملموس. ربما مصر، بالنظر إلى الجغرافيا، تكون أقلّ تأثراً بحضور محور المقاومة في جنوبي سوريا، ولكن بالنسبة إلى الأردن، فنحن نتحدث عن أمتار (أمتار بالفعل) بين الحدود الأردنية وحدود المقاومة، والأردنيون يواجهون لحظة الخيار.