أولى روايات مارغريت دوراس (1914 ـــ 1996/ الصورة) المكتوبة في الخمسينيات من القرن الماضي شابها أسلوب فيه الكثير من الانضباط، هو أشبه بمحاولة الكاتب إثبات أنه يمكنه الكتابة مثل الجميع قبل أن يختط لنفسه نهجاً معيّناً، بمعنى أن الإبداع وعناصر الابتكار لن تكون في متنفس النص، في سلّم الجملة أو الكلمة، بل ستكون أكثر على مستوى السيناريو أو الثيمات التي تتم معالجتها: الانتهاكات الأبرز التي نجدها في الروايات الأولى مثل «سد على الباسيفيك» (١٩٥٠) و«بحّار جبل طارق» (١٩٥٢) لا تطال حقاً اللغة أو الكتابة، ولا تغادران الفضاء التقليدي للسرد السائد في الروايات الغربية أو الفرنسية في تلك الحقبة. في الروايات اللاحقة مثل «جياد تاركينيا الصغيرة» (١٩٥٨)، و«موديراتو كانتابيل» (١٩٥٨) و«العاشرة والنصف ذات مساء صيفي » (١٩٦٠)، بدأت جملة دوراس الروائية ترشق وتختزل من نفسها بحيث يمكن اعتبار «انخطاف لول.ف شتاين» (١٩٦٤) منعطفاً بارزاً في أعمالها الروائية: في رواية الحب هذه، إمكانية عيش الأحاسيس سترتكز بشكل مباشر إلى إمكانية قول الأحاسيس ذاتها (وصعوبة إيجاد الكلمات المناسبة). اعتباراً من هذه الرواية، يمكن القول بأن كتابة دوراس «تشخصنت» بحق، بمعنى التفكيك التدريجي لقيود السرد (narration) والانضباط الأسلوبي.


دوراس خلال الخمسينيات في أحد مقاهي الحي اللاتيني في باريس (روبير دوانو)

بعد فترة طويلة فاصلة عن «انخطاف لول.ف شتاين»، ستشرح دوراس في عملها «أن تكتب» (١٩٩٣) عملية التشذيب التي طاولت الأسلوب والجملة: «ستكون لغة لغير المكتوب. سنصل إليها يوماً. كتابة مقتضبة، بلا قواعد، كتابة لكلمات يتيمات. كلمات بلا قواعد تسندها. كلمات ضائعة. هنا، مكتوبة. وضائعة عمّا قريب»، بينما كان التطور الأسلوبي لدوراس يأخذ ملامحه ببطء، من كتاب إلى آخر بما تستوجبه مواجهة قيود اللغة. يمكننا القول إن السينما تبدت مثل حقل تجارب هائل أمام شخص يلج باب السينما وقد حقق لنفسه مكانة «ثقافية» في مكان آخر هو الأدب. وسط هذا البارادوكس (الكتابة الحقيقية/ صناعة السينما)، سيرتسم نوع من التفرقة النظرية الدائمة، والعصية على الفهم أحياناً، بين مجالي السينما والكتابة عند دوراس. لتوضيح الأمور، لا بد بداية من الإشارة إلى الاحتقار الذي كانت دوراس تكنّه للسينما السائدة في منتصف القرن الماضي. ومن منطلق سياسي، ستنشأ معارضة الكاتبة لتدجين المُشاهد الذي تقوم به السينما الرأسمالية: «إن القرصنة غير الاعتيادية للسينما من قبل الرأسمالية مباشرة بعد ولادتها، كان قد شكل من أربعة إلى ستة أجيال من المشاهدين، وسنجد أنفسنا قبالة جبل هيمالايا من الصور تمثل بلا شك أكثر حماقة تاريخية معاصرة. بالتوازي مع تاريخ البروليتاريا، ينتصب تاريخ لهذا القمع الإضافي؛ تاريخ الترفيه المصنوع من نفس الرأسمالية التي تستعبد هذه البروليتاريا، سينما أيام السبت!» (مارغريت دوراس، كتاب «الأعين الخضر»، ١٩٨٧). من جهة ثانية، لو عددنا الأعمال السينمائية (القصيرة والطويلة) التي أنجزتها دوراس، فإننا نجد أنها قد أنجزت ١٩ فيلماً بإمكانات مادية متقشفة لا يمكن مقارنتها بطغيان الرأسمال في السينما التجارية السائدة. لم تكن مستعدة لإبداء أي نوع من التنازلات لماكينة صناعتها الضخمة، أو حتى لمن يمكن تسميته بـ «المشاهد الأول»، السعيد بـ «طفولته السينمائية الساذجة» والذي لطالما تمنت دوراس أن تنتقل بوعيه إلى مستوى أسمى. أبدت دوراس أمام السينما نوعاً من التحفظ المفهومي مرده أن السينما تسمح للمبدع بأن يتهرب من «منطقة الظل» للموضوع الذي يعالجه بصرياً. ومنطقة الظل هذه هي السر الذي تقوم عليه الكتابة: «من لا يكتب، والسينمائي لم يقربا ما أسميه «الظل الداخلي» الذي يحمله كل منّا في باطنه والذي لا يمكنه أن يخرج، أن يتدفق إلا باللغة. الكاتب قارب هذا الظل. لقد قارب كلية «الظل الداخلي»، الصمت الأساسي المشترك، لقد اختبر اختزال هذا الصمت» (مارغريت دوراس، كتاب «الأعين الخضر»ـ ١٩٨٧). هكذا، كما ستقول لجان لوك غودار لاحقاً: «من يصنع السينما، هو الذي لا يصمد أمام الكتابة». من هنا يمكننا تأويل الخيارات الأسلوبية لدوراس «السينمائية»: اختزال اللقطات (Plan) التي يبلغ عددها ٧٤ في India Song، مقابل ٤٠٠ إلى ٦٠٠ في أي فيلم عادي، إبطاء الحركة، البساطة في حركات الكاميرا، انغلاق الصور والأصوات، كأن الخلخلة الأسلوبية تنتقل من الأدب إلى السينما، بحيث تظهر الرغبة في تشويه قواعد السينما السردية الشعبية، مما سيشكل نوعاً من الصدمة لمشاهد مبتدئ: «في السينما، وكوني أحمل الكثير من البغض لما قد تم إنجازه، أو للقسم الأعظم منه، أريد العودة بالسينما على بدء، بقواعد جد بدائية. جد سهلة، أو حتى ابتدائية: أن لا تكون حركة، معاودة كل شيء من الصفر».
في النص الذي يعتبر مقدمة لفيلمها «شاحنة» (Camion)، تقول دوراس: «السينما توقف النص. تصيب بالموت ذريته الأساس: الخيال. هنا تكمن فضيلتها: أن تُغلِق. أن توقف الخيال. هذا البتر، هذا الإغلاق اسمه الفيلم. جيداً كان أم سيئاً، رائعاً أو مقذعاً، يمثل الفيلم هذا الوقف الجذري. تثبيت الصورة لمرة واحدة وإلى الأبد».