على عكس وجهة الأحكام التي يأخذها رئيس محكمة الاستئناف في بيروت الناظرة في قضايا المطبوعات روكز رزق ضد الصحافيين ووسائل الإعلام، حيث يرى في التشهير جريمةً يرتكبها الصحافي بصرف النظر عن مبررات ودوافع هذا التشهير بمرتكبي الفساد، رأى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت نديم زوين في التشهير «حقاً» من أجل المصلحة العامة.


ووفق ما شرح زوين خلال ندوة «حرية الإعلام والرقابة القضائية»، فإنّ هذا الاجتهاد يستند إلى نظرية مكرسة اجتهاداً تتعلق بـ «الحق الأجدر بالحماية».
ورأى زوين بأن قاضي الأمور المستعجلة يحكم بين طرفين كلاهما يطالب بحق له: الحق الأول هو للمتضرر والإساءة التي طاولته بفعل التشهير، والثاني حق الصحافي في التعبير والتشهير لوجود مصلحة عامة ذات شأن. هنا «إذا رأى القاضي أن التشهير فيه إفادة للمصلحة العامة، حتى لو كان النشر يحمل تشهيراً وإساءة وذماً، فإنّه يُبدّي في حكمه المصلحة العامة على تلك الشخصية، أو أقله يتحفظ عن التدخل في هذه المرحلة، أي أنّه لا نرى فيه تعدياً واضحاً، تاركاً لمحاكم الأساس أن تنظر في القضية». كيف وصل زوين الى هذا الاجتهاد؟ قال زوين خلال الندوة بأن الاجتهاد الذي وصل إليه قاضي الأمور المستعجلة يعود الى قضية صدر فيها حكم حديثاً، وكان يعني تحديداً الحكم الصادر بعد الشكويين اللتين رفعتهما «الجامعة الأميركية في بيروت» لدى محكمة القاضي زوين ضد «الأخبار».
وجاء ذلك على إثر نشرنا تقريراً بعنوان «AUB LEAKS ملفات الـAUB إلى القضاء الأميركي؟» (الأخبار 14/11/2014) تضمن مجموعة من الوثائق والمراسلات الداخلية المسربة المتعلقة بمداولات أجريت بين العديد من أعضاء مجلس الأمناء والمديرين والموظفين والمحامين تشير إلى وجود «فساد» و«سوء إدارة» و«محاولات» للتعمية عليها وتحييد بعض الضالعين فيها في الجامعة… والأهم «العمل» على تجنب وصول هذه المعلومات إلى المدعي العام في نيويورك، حتى ولو تطلب ذلك الاستعانة بنافذين. كما تثبت هذه الوثائق تقديم فواتير خيالية ومضخمة للاستحواذ على أموال عامة غير مستحقة ودفع رشى ومخالفة أنظمة الضمان الاجتماعي والتهرب من الضرائب ومن اشتراكات الضمان الاجتماعي وتقديم حليب فاسد لأطفال وتزوير التقارير وتحويرها وإخفاء الأدلة وصرف الأموال في غير المواضع المخصصة لها.
في الشكوى الأولى التي رفعتها «الأميركية» الى زوين، استجاب الأخير لطلبها بحذف المقال ومرفقاته عن الموقع الالكتروني للجريدة وعن صفحة فايسبوك الخاصة بمعد التقرير كاتب هذه السطور.
ورغم اعتراف إدارة الجامعة بصحة المستندات المسربة، إلا أن القاضي لم يجد أي مصلحة عامة «استثنائية» تسمح بنشرها. بعد الاستحصال على هذا القرار، قدمت الجامعة طلباً ثانياً إلى القاضي نفسه لمنع «الأخبار» من نشر أي مستند تعود ملكيته إلى الجامعة «قد تحصل عليه الجريدة لاحقاً».
استأنفت «الأخبار» حينها الحكم الأول، وردت عليه وعلى الشكوى الثانية المرفوعة بتقارير نشرتها على صفحات الجريدة تضمنت مواقف من قانونيين وحقوقيين وصحافيين ووزراء معنيين (وزير الاعلام تحديداً) وغيرهم ممن يجدون بأن «التشهير حق حين يكون واجباً» وللصحافي واجب نشر كل ما يفيد المصلحة العامة. بعد ذلك، تردد زوين في إصدار حكمه (أجّل اصدار الحكم الثاني أياماً عدة عن الموعد الذي حدده) قبل أن يسجّل سابقة قضائية في قضية «AUB ليكس».
إذ رفض طلب الجامعة، وكرس حق النشر والتشهير «عملاً بمبدأ سموّ المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وبمبدأ حق الرأي العام في الاطلاع والمعرفة». بذلك، استند زوين في حكمه إلى القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان (بتاريخ 12-4-2012) الذي أدلت به «الأخبار» في ملاحظاتها أمامه رداً على دعوى إدارة الجامعة الأميركية.
يحاول زوين أن يذهب أبعد من ذلك في محاولته صون حق الصحافة في التعبير والنشر.
خلال الندوة المذكورة، قال بأن أي تدبير أو قرار يتخذه قاضي الأمور المستعجلة، يبقى قراراً موقتاً يمكن لمحكمة الأساس أن تبت فيه. وإذا كان الصحافي أو الإعلامي يعتبر أنه على حق رغم صدور القرار، فلا شيء يمنعه من «النشر ثم يسعى لتصفية الغرامة لاحقاً». الا أن محاولة زوين هذه تصطدم بمضمون المداخلة التي تلاها القاضي رزق، تحديداً في مسألة حق التشهير، وتصطدم أيضاً بما قاله زوين نفسه خلال الندوة عن التشهير بالأفراد. إذ اعتبر بأنّ «التشهير مبرر عندما يذهب إلى مصدر العلة (…) وليس التشهير بالمواطنين كأفراد بل بالموظف المسؤول أو الجهة المعنية التي لا تراقب».