ليست المسألة أن المنطقة العربية لم تنعم بنصيب من الاكتشافات العلمية وتطوير تطبيقاتها التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وهندسة الجينات، بل القضية أنّ «وثائق الرؤية» التي صاغتها بعض دول المنطقة لحيازة قدرات علمية وتكنولوجية تسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وتوفير فرص العمل، أتت في غالبيتها نسخاً لخطط ووثائق دولية، ولم تستند إلى دراسات معمقة لأحوال الدول العربية، ومَواطِن الخلل في منظومات التعليم فيها تحديداً.

ما حصل أن عدداً من الدول العربية عكف، في العقود الماضية، على إنشاء مراكز للأبحاث العلمية وحاضنات للتكنولوجيا استضافت شركات غالباً ما تمتلكها شرائح النخبة، أو مكاتب إقليمية للشركات متعددة الجنسيات، ولم تقدّم، في نهاية المطاف، حلولاً مجدية لمجموعةٍ من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية.
في هذا الوقت، تنامى عدد الجامعات الخاصة على نحو غير مسبوق، فيما بقي السؤال المطروح متصلاً بقدرة مؤسسات تعليمية، أنشئت أصلاً بهدف الربح، على تقديم أنماط من التعليم والتدريب والبحث العلمي تتناسب مع تحولات تشهدها منظومات التعليم في العالم.
في ضوء هذا الواقع، خصصت مؤسسة الفكر العربي تقريرها العاشر بعنوان «الابتكار أو الاندثار، البحث العلمي العربي: واقعه وتحدياته وأفاقه» لأنشطة البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار في الدول العربية. التقرير من إعداد وتنسيق الامين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان د.معين حمزة، والمستشار في دراسة سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والتنمية المستدامة د. عمر البزري، وقد شارك فيه نحو 25 باحثاً من مختلف الدول العربية. وقد تناول بالتفصيل البنى والمؤسسات العاملة في حقول العلوم والتكنولوجيا من أبحاث منشورة في الدوريات الدولية وبراءات الاختراع، وناقش توزعها على البلدان العربية ومجالات الاختصاص والمؤشرات المتصلة بأثرها على الصعيد الدولي في العقدين الماضيين.
واعتمد منهجية مركّبة تجمع أولاً بين التشخيص القائم على عرض الواقع وثانياً تحليل المؤشرات الأساسية الدالة على أوضاع البحث العلمي والتطوير التكنولوجي وأنشطة الابتكار، وثالثاً استشراف لمستقبل مرجو وممكن لما تخطط له الدول العربية من مبادرات في الأمدين القريب والمتوسط.
في تشخيص الأوضاع، أظهر التقرير أن منظومات التعليم العالي ومراكز الأبحاث التابعة لها شهدت تنامياً ملموساً لعدد المنخرطين فيها من طلاب وأساتذة ومن حيث ازدياد مروحة اختصاصاتهم واتساعها. وقد سعت بعض هذه المؤسسات التعليمية والبحثية إلى اعتماد معايير حديثة لأنظمة الجودة ونوعية التعليم، للتنافس مع جامعات ومؤسسات بحثية عالمية، إلّا أن هذا السعي استند إلى إحراز تصنيف أفضل لبعض الجامعات في منطقة الخليج خصوصاً، بأساليب لا تنعكس بالنفع الفعلي والمستدام على أدائها. أما مراكز البحث العلمي فهي تعاني عموماً من ضبابية السياسات التي تحكم أنشطتها واستثمار النواتج المتوقعة من برامجها، لا سيما لجهة انقطاعها عن مؤسسات التعليم العالي من جهة والقطاعات الإنتاجية من جهة ثانية.
بعض الأسئلة التي سعى التقرير للإجابة عنها: هل يمكن الارتقاء بالبحث في ظلّ غياب الحرية الأكاديمية وحرية التعبير؟ وهل يسهم الإعلام العربي في تسليط الضوء على دور العلم في تطوّر المجتمعات العربية؟ لماذا لا تهتم الجامعات في إنشاء مراكز أبحاث متخصصة وتبنّي قدرات علمية وتكنولوجية ذاتية ومجدية في ظلّ الممارسات الريعية السائدة، وتكترث لربط البحث العلمي بمتطلّبات التنمية؟
أبرز الاستنتاجات أن العلوم الاجتماعية العربية عجزت عن إنتاج نظرية واحدة كتبت لها استدامة معقولة، بل إن المشتغلين بالعلوم الاجتماعية ما برحوا ينظرون إلى واقع بلدانهم بعيون غيرهم مستندين إلى مفاهيم وضعها باحثون ينتمون إلى واقع مختلف، بينما تفرض التحولات الدولية والإقليمية إنتاج معارف مجتمعية مبتكرة تنطلق من الواقع لا من مقولات إيديولوجية منتجة ومعلبة في الخارج.

مراكز البحث العلمي منقطعة عن الجامعات والقطاعات الاقتصادية


الواقع، بحسب التقرير، يفرض الاعتراف بأن دور العلميين لا يزال مهمشاً وبعيداً عن مركز القرار ولا تتم استشارتهم والعودة إلى نواتج بحوثهم ودراساتهم إلا نادراً، رغم تراكم التحديات التي لم تستطع أي دولة في العالم معالجتها إلا بالعلم والمعرفة. فالتدريس الجامعي يغلب عليه النقل والاستذكار بدلاً من السعي لإنتاج المعرفة والابتكار، ما يفسر غياب القسم الأكبر من الجامعات العربية عن المراتب الألف الأولى في التصنيفات الدولية.
ثمة دعوة إلى ضرورة وضع سياسات تفصيلية ودقيقة لأخلاقيات البحث العلمي وربما في مجالات العلوم الإنسانية قبل العلوم الطبيعية، لأن الأضرار التي يحدثها التعليم التقليدي والمتزمت في الجامعة وكذلك القبلية والمحسوبية في مراكز البحث تفوق أضرارها تلك الناتجة عن الجهل.
إلى ذلك، تتعرض منظومات العلوم لنقد لمصداقية أنشطتها ومقاومة السلطات السياسية لتطبيق مخرجات البحث، إذ يجري احتكار هذه المخرجات وتسخيرها لمراكمة الربح.
كذلك يؤدي تفشي الفساد والمحسوبية وسوء إدارة موارد الدولة إلى زعزعة الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الحكومات العربية في مضمار الحماية الاجتماعية.
وعلى الرغم مما يشير إليه التقرير من أدلة مُحبِطة، ثمّة نقاط مضيئة في المقابل، منها ما قام به عددٌ من الدول العربية، لا سيما فلسطين، خلال العقدين الماضيين من أنشطة استهدفت استحداث مؤسّسات للتعليم العالي والبحث العلمي لديها وتطويرها، رغم ظروف الاحتلال. ورغم التوجّهات المناهضة لمشاركة المرأة في حقول العلوم والتكنولوجيا، وُجد من يؤازرها كي تقوم بما يُناط بها من أدوار، على الصعيدين الخاص والعام.