حسين بن حمزة

من صيدا، انتقلت العائلة إلى بيروت. كانت فلسطين شيئاً يومياً في حياتها، لكنه تعلم من والده أنهم عرب أولاً ثم فلسطينيون. كان مناخ العائلة قومياً ناصرياً. لا يزال يذكر خطاب عبد الناصر في تأميم قناة السويس، وفرحة والده الممزوجة بالدموع. يقول صاحب كتاب «1948/ الطرد» إنه كان محظوظاً بالفرع اللبناني للعائلة: «نجونا من معاناة المخيمات. جرحنا كان واحداً بالطبع، لكن ظروف عائلتي منحتنا فرصة العيش في قلب بيروت التي أعدّها مدينتي أيضاً». عاش الفتى الحقبة الذهبية لبيروت الستينيات. شغف بالكتب. اطّلع على الأدب الفرنسي. كان ينزل إلى ساحة البرج، وينتقي قراءاته من بسطة كتب يملكها شاب أرمني (هو صاحب «المكتبة العالمية» في مبنى جفينور اليوم). الأدب لم يغب عن بيتهم أيضاً. كان والده مولعاً بالشعر العربي، ويحب فيكتور هوغو. كان فخوراً بالتاريخ العربي، لكنه لا يُنكر عظمة روبسبيار. يقول صنبر إن هذه الخلطة عبّدت الجسر الذي سينقله إلى فرنسا سنة 1968.
الشاب الذي أنهى دراسة الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اليسوعية، ذهب إلى باريس لإكمال دراسته، لكنه لم يشعر بأي غربة: «كأني كنت مدعواً إلى اكتشاف عالم سبق أن اطلعت عليه في الروايات». حَلَمَ صاحب «شخوص الفلسطيني» بأن يصبح كاتباً فصار مؤرخاً. لماذا؟ يقول إن شغفه بالأدب لم يتوقف، لكن الكتابة تأجّلت: «أنا قمعت نفسي. كانت لدينا فكرة مغلوطة عن الالتزام. ظننا أن الأدب لذة شخصية ولا يخدم القضية».

نزحت عائلته من حيفا إلى لبنان، وعاش الحقبة الذهبية لبيروت الستينيات
حصل صنبر على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة باريس الأولى، ثم انتقل إلى بيروت، ومنها إلى دمشق، متطوعاً لقتال الجيش الأردني، الذي كان يحاصر آلاف المقاتلين الفلسطينيين في عجلون المحاذية للحدود السورية. لم يشارك في القتال، فالمعركة كانت قد انتهت لدى وصوله، إنما شارك في نقل الجرحى إلى مستشفيات دمشق، ثم استقر في بيروت.
في «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، حيث عمل باحثاً، عُرضت عليه فكرة تأسيس نسخة فرنسية من مجلة «دراسات فلسطينية». كان ذلك منعطفاً حاسماً في حياته. المجلة التي صدرت عام 1982 (منشورات «مينوي»)، واستمرت 27 عاماً (توقفت موقتاً منذ عامين لأسباب مادية)، أدّت دوراً بارزاً في المشهد السياسي والثقافي الفرنسي. «كنا أنا وفاروق مردم بك في البداية، ثم انضم إلينا الراحل سمير قصير. اشتغلنا كثيراً وخضنا صراعات. وجود ليلى شهيد سفيرة لفلسطين في باريس عزّز حضورنا أكثر». حققت المجلة مكاسب كبيرة داخل المجتمع الثقاقي الفرنسي. استقطبت مئات الكتّاب والفلاسفة والشعراء والفنانين. كانت المجلة أشبه بـ «لوبي» فلسطيني نجح في تعريف الرأي العام الفرنسي بالرواية الحقيقية للمأساة الفلسطينية.
المهم في كل ذلك، أن المجلة خاطبت قرّاءها بذكاء وجاذبية ورصانة، أي بطريقة يفضّلها الفرنسيون والغرب عموماً. «فعلنا ذلك، من دون أيّ تنازل»، يقول صاحب «فلسطين، البلد الآتي»، مؤكداً على المناخ الفرنسي في إنجاح التجربة: «لا أتصور أننا كنا سننجح لو صدرت المجلة في بلد آخر. المجتمع الفرنسي يتميز بمستوى عميق ومتنوع من النقاش، كما أن فرنسا هي البلد الوحيد الذي يمتلك ما يسمى «مجتمع المثقفين». كأن المجلة كانت مثل زميلاتها الفرنسيات يُصدرها فلسطينيون؟ «هذا صحيح. المجلة أخذت هذا الطابع منذ أعدادها الأولى. فريق التحرير لم يكن زائراً في فرنسا. كنا منخرطين في الحياة الثقافية الباريسية أصلاً، ونعرف الأرض التي نلعب فيها».
في تلك الأثناء، درّس الياس صنبر تاريخ العالم العربي في العهد العثماني والانتداب في جامعة باريس السابعة، وأصدر كتباً تاريخية باتت اليوم مراجع أساسية في القضية الفلسطينية. أما الكتابة الأدبية المقموعة والمؤجلة لديه، فوجدت متنفسَّاً لها في نقل العديد من دواوين محمود درويش إلى لغة موليير. يضحك وهو يتذكر أن صاحب «جدارية» كان يردد دائماً أن إلياس يكتب الشعر سراً، وإلا لما جاءت ترجمته بذاك المستوى الرفيع من الدقة والجاذبية.
أصدر «دراسات فلسطينية» في باريس مع فاروق مردم بك وسمير قصير، مقدّماً الرواية الحقيقيّة للشعب الفلسطيني
لم يكتب صنبر الشعر، لكنه تخفّف من فكرة أن «الأدب هو لذة شخصية، وأنه لا يفيد الالتزام والنضال». يقول إن التعبير الأدبي عن القضية الفلسطينية يمكن أن يكون أغنى من أي تحليل سياسي أو تاريخي. هكذا أصدر كتابين «مُلْك الغائبين»، و«القاموس العاشق لفلسطين»، ومزج فيهما السرد والسيرة والتاريخ والأنتروبولوجيا، كاشفاً عن نبرة آسرة ووجهة نظر غير تقليدية في مقاربة تفاصيل الحياة الفلسطينية ونثرياتها ورموزها. أما مفاجأة لقائنا به في بيروت، فهي أن إلياس صنبر يضع حالياً اللمسات الأخيرة على باكورته الروائية التي ستصدر خلال العام المقبل. يمتنع عن ذكر عنوانها أو تفاصيلها، مستهدياً بصديقه جان جينيه، الذي نصحه بأن «ما نتحدث عنه لن نستطيع كتابته».
إلى جانب كل هذا، واصل المثقف والمؤرخ الفلسطيني التزاماته السياسية، فهو ممثل فلسطين في منظمة الأونيسكو، وعضو في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1988، ووجه مألوف على قنوات التلفزة الفرنسية كلما أرادت أن تتطرّق إلى تطورات القضية الفلسطينية. يقول إلياس إنه يمارس كل ذلك باستمتاع : «أنا أشتغل من أجل شعبي. عملي كثير لأني محتل. لا أملك ترف الانتماء إلى بلد عادي»، ويضيف مازحاً: «ربما كنت سأموت من الضجر، لو لم يكن الأمر كذلك».
في سنة 2005، زار صنبر بيت العائلة في حيفا، وكتب نصاً مؤثراً عن رحلته. «ليست لدي ذكريات في البيت، لكني كنت أحفظ حتى خطوط البلاط في أرضيته. كنت أعرف بالضبط ما الذي سأراه لكثرة ما ردّد والدي تفاصيله أمامنا». نسأله إن كان سيعيش هناك لو تحقق حلم العودة؟ «إذا استعدتُ البيت فسأحوله إلى مركز ثقافي يحمل اسم أخي الذي توفي منذ فترة. لن أعيش في حيفا، لكني أريد هذا الحق وإن لم أستخدمه. أريد أن تكون باريس منفاي الاختياري لا الإجباري. هذا هو جوهر الحكاية».


5 تواريخ

1947
الولادة في حيفا ـــــ فلسطين

1982
انطلاق النسخة الفرنسيّة من «دراسات فلسطينية» في باريس، وقد ترأس تحريرها حتى توقفها قبل عامين

1984
كتابه الأول (بالفرنسية): «1948/ الطرد»

2005
صدور «ملك الغائبين» (عرّبته ماري طوق، عن «دار النهار»)

2010
يضع اللمسات الأخيرة على باكورته الروائية التي ستصدر العام المقبل