حلب | هل يلقى قطاع زراعة القمح السوري مصير شقيقه العراقي، وتتحول سوريا إلى بلد مستورد للقمح كالعراق وباقي البلدان العربية؟

سوريا، التي تعتبر من البلدان الرائدة على مستوى العالم في الأمن الغذائي، وهي البلد العربي الوحيد الذي حقق اكتفاءً ذاتياً من القمح ويصدر كميات منه إلى دول الجوار، تتعرض اليوم لمحنة رهيبة، إذ ارتفع سعر ربطة الخبز (1500 غرام) من 15 ليرة سورية إلى أكثر من 250 ليرة في بعض المناطق. وتتهم السلطات جماعات إرهابية بالعبث في موضوع الرغيف الذي حرصت السلطات منذ اتساع رقعة العنف على إيصاله إلى كامل التجمعات السكنية على امتداد البلاد.
ويحصل معظم السكان على الخبز بسعر قريب من سعره الرسمي، لكن يتم ذلك بعد الوقوف في طوابير طويلة، ويستغرق الحصول على ربطتي خبز الانتظار من الفجر حتى ساعات الظهيرة.

دعم حكومي ولكن!

تتّبع الحكومة السورية سياسة دعم ورعاية لزراعة القمح وللرغيف معاً، حيث تشتري القمح بسعر يلحظ تكاليف الإنتاج، التي تقدم فيها تسهيلات بإقراض معظمها واسترداده حين تسليم المحصول، مع هامش ربح 25%.
وتقدّم جميع مستلزمات الإنتاج من بذار، وأسمدة، ومبيدات عبر الجمعيات الفلاحية وبتمويل من المصارف الزراعية المنتشرة في جميع المحافظات.
يشير أحد كبار منتجي القمح في سهول دير حافر، شرقي حلب، إلى أنّه قبل سنوات، ومع اشتداد التوجه الليبرالي للحكومة، وفي اجتماع جمع الرئيس بشار الأسد مع قيادة الاتحاد العام للفلاحين، «أكد لنا الأسد استمرار سياسة الدعم للزراعة، لأنّه ما من دولة في العالم إلا وتدعم إنتاجها الزراعي، ونفى نية الدولة رفع الدعم عن الزراعة».
ولكن ساهم قرار رفع سعر المازوت المستخدم في مضخات الريّ، قبل نحو 4 سنوات، في اضطراب زراعة القمح. وهاجم الشيوعيون في الجبهة التقدمية الحاكمة القرار، واعتبروه تآمراً على سوريا وأمنها الغذائي. وبعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في آذار 2011، كان مطلب الوفود الشعبية، وبالأخص الفلاحية منها، التي التقت رئيس الجمهورية، هو خفض سعر المازوت، فجرى تخفيضه مجدداً إلى 15 ليرة سورية. وبعد اشتداد العقوبات وعمليات التخريب للقطاع النفطي، رفع سعر المازوت مجدداً ليصل إلى 25 ليرة سورية (الدولار يساوي حالياً حوالى 90 ليرة سورية). وفي هذا الموسم (2012 _ 2013) تقرّر تسعير كيلوغرام القمح القاسي بـ26 ليرة، والطري بـ25 ليرة، والسماح باستيراد الأعلاف بعد أن قارب ثمنها ثمن القمح.

اهراءات «البعث»

تنتشر اهراءات الحبوب على امتداد الأراضي السورية، ويبلغ مخزون القمح حالياً حوالى 4 ملايين طن، وفق مصادر رسمية.
ويروي وزير سابق أنّ الرئيس حافظ الأسد أمر في إحدى «سنوات الخير» بدفن القمح الذي لم يعد يتّسع في الاهراءات في التراب، وفق الطريقة الفرعونية، ريثما يتم بناء المزيد منها.
هذه الاهراءات كانت هدفاً للمسلحين، وبثّ ناشطون معارضون مقاطع فيديو لعملية «تحرير صوامع الحبوب» في القصير قرب حمص. وقبل أيام حاول مقاتلو «الجيش الحر» الاستيلاء على مخزن تل حلف، بالقرب من رأس العين على الحدود مع تركيا، والتي تحوي على نحو 30 ألف طن من القمح. وانفردت جماعة تطلق على نفسها اسم «محامو حلب الأحرار» بانتقاد نهب مخزون القمح وبيعه لتركيا، وناشدت، في بيان، كافة المجالس العسكرية «ضرورة ملاحقة الكتائب التي تقوم بهذا العمل تحت أيّ ذريعة كانت، والمحافظة على الأموال العامة وتسليمها إلى لجان مدنية مختصة بإدارة هذه المنشآت العامة. ونخصّ بالذكر مباقر مسكنة، ومعمل سكر مسكنة الذي أصبح خالياً وتمّ بيع المعدات لتركيا». وأضاف البيان «للأسف الشديد تقوم بعض كتائب الجيش الحر ببيع القمح للتجار، ومنهم إلى خارج القطر أو لمنطقة عفرين التي بدورها تقوم بتخزينها تحسباً لفقدان هذه المادة، وذلك تحت ذريعة الحاجة إلى ثمنها، علماً بأنها تباع بسعر 20000 ليرة سورية للطن الواحد، بينما سعرها الحقيقي في تركيا هو 470 دولاراً للطن».

الخطر الأكبر

يرى أستاذ في كلية الزراعة، في جامعة حلب، عمل طويلاً في الهيئة العامة للبحوث الزراعية، أنّ «الخطر لا يشمل المخزون الاستراتيجي فحسب، بل يشمل مخازن البذار المحسّن، والأصناف المحلية التي عكف الخبراء السوريون على تطويرها منذ عقود، وعبر ذلك تمكنت سوريا من رفع إنتاجية هكتار القمح إلى مستويات غير معهودة».
وقال الأكاديمي السوري إنّ «كلمة مؤامرة تنطبق تماماً على ما يتعرض له قطاع زراعة القمح السوري وتخزينه»، مشيراً إلى «مصير الزراعة العراقية الأسود الذي عمل عليه الاحتلال الأميركي عبر الحصار، ومن ثمّ التدمير الممنهج وفرض بذار أميركي، ما قضى عملياً على زراعة القمح في العراق».

قمح مقابل نفط

يرى مصدر في المؤسسة العامة للحبوب أنّه رغم الظروف الصعبة فإن قرار اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء اتخذ بمقايضة القمح بالنفط والفوسفات لمواجهة العقوبات التي أقرّتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي على سوريا. ويتمّ استيراد القمح الطري من دول أوروبا الشرقية، وبالأخصّ أوكرانيا ورومانيا، وروسيا، في حين يجري تصدير القمح السوري القاسي المرغوب عالمياً. وتؤكد مصادر مؤسسة الحبوب أنّ مخزون القمح الاستراتيجي يصل إلى 4 ملايين طن، وهي تكفي استهلاك سنة ونصف السنة. وبحسب المصادر، معظم المخزون بخير، وما يجري نهبه وتسليمه لتركيا هو مخزون المراكز الصغيرة التي لم تتمكن الحكومة من نقلها إلى الاهراءات الاستراتيجية.
ويشير مصدر متابع إلى أنّ هذه الاهراءات الكبيرة التي تنسحب منها قوات الحماية أو تجري مهاجمتها، «لا يمكن نهبها، لأنّ أبوابها الالكترونية محكمة الإغلاق، ويجري التحكم فيها مركزياً، والاعتداءات عليها شملت الموجودات المكتبية، والسيارات، وأجهزة الكومبيوتر، فيما جرائم النهب لحقت بالمراكز الريفية الصغيرة. ويجري تسريب جزء من المنهوبات إلى تركيا». وأضاف المصدر أنّ «التهويل الإعلامي بشأن نهب المخزون، هو جزء من الحرب النفسية على سوريا»، مؤكداً أنّ «استيراد الطحين هو لتسريع حلّ أزمة الرغيف، والمحافظة على مخزون القمح السوري».