ماذا تفعل تركيا في إدلب؟ لا بل ماذا تفعل في كلّ الأراضي السورية المحتلة من عفرين إلى جرابلس والباب وصولاً إلى شرق الفرات؟ أسئلة يطرحها، منذ حوالى الشهر، الوضعُ الميداني في إدلب، وتقدّم الجيش السوري، واستعادة خان شيخون ومعرّة النعمان، وتضييق الخناق على سراقب، ومن ثمّ تهديدات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بالردّ على خروقات الجيش السوري للهدنة، ولا سيما بعد مقتل 8 أتراك (5 جنود و3 موظفين مدنيين) أول من أمس في إدلب.

لا بدّ من التمييز أولاً بين إدلب وسائر المناطق التي احتلّتها تركيا.
كان طرح تركيا قائماً على أنها مهدّدة في أمنها القومي من قِبَل «قوات الحماية الكردية» التي أقامت فدرالية «روجآفا» في شمال سوريا على الحدود معها، وهو ما اعتُبر من وجهة نظرها نوعاً من «الكوريدور الإرهابي» الذي يتوجّب كسره. وشكّل تواجد تنظيم «داعش» في منطقة جرابلس والباب ذريعة لقيام الأتراك بأول عملية احتلال رسمية لتلك المنطقة عبر عملية «درع الفرات»، ومن ثمّ عملية «غصن الزيتون» وما أعقبها من احتلال مقاطعة عفرين، وأخيراً عملية «نبع السلام» التي احتلّت بموجبها تركيا جانباً من الكانتون الكردي. وقد تمّ نصف العمليات المذكورة بالاحتلال، لأنها لم تأتِ بناءً على دعوة أو اتفاق رسمي مع الحكومة السورية التي كانت نفسها تصف العمليات التركية بالعدوان والاحتلال. أما كونها قد تمّت بموجب ضوء أخضر روسي، وهي فعلاً كذلك، فالأمر لا يغيّر من واقع أن التفاهمات الروسية - التركية ليست اتفاقيات دولية، وأن الوجود التركي في شمال سوريا هو احتلال، وخصوصاً أنه لا «داعش» ولا «قوات الحماية الكردية» اعتديا على الأراضي التركية بالمعنى العريض حتى تقوم أنقرة بعملياتها.
إذا كان هذا هو واقع الحركة الميدانية في «ثلاثية» عفرين - جرابلس - شرق الفرات، فإن منطقة إدلب لم تعرف أيّ تواجد لـ«قوات الحماية الكردية»، بل كانت تُؤوي كلّ التنظيمات المسلحة المتطرّفة المصنّفة، وفق تركيا نفسها ووفق الأمم المتحدة، «إرهابية»، وهي تنظيمات لم تكن تهدّد تركيا، بل بالعكس، كانت الأخيرة شريان بقائها على قيد الحياة بالمساعدات الغذائية والمالية والأسلحة والتدريبات. وبالتالي، ليس من مبرّر لدى تركيا لأن تتواجد في إدلب بصيغ مختلفة، وأن تكون لها فيها نقاط مراقبة أو غيرها، ولو وفق تفاهمات مع روسيا، وعلى قاعدة أن تكون المحافظة منطقة خفض تصعيد. ولو أنها فعلاً منطقة خفض تصعيد، لكان يجب أن تنضمّ إلى مثيلاتها في الغوطة وتدمر ودرعا والقنيطرة ودير الزور وغيرها، وأن يستسلم مسلّحوها وينضمّوا إلى الدولة، أو أن يغادروا إلى حيث يريدون، لكن هذه المرّة إلى خارج سوريا، وهنا تقع المشكلة مع تركيا.
فتركيا لا تريد لهؤلاء أن يتركوا إدلب لأكثر من سبب:
أولاً، هي تريد لإدلب أن تبقى بؤرة ضغط على الدولة السورية إلى حين إيجاد حلّ نهائي يضمن للمعارضة تمثيلاً في الحكومة السورية المقبلة.
ثانياً، هي تريد أن تحتفظ بهؤلاء المسلحين لاستعمالهم «غبّ الطلب»، سواء في مناطق الاحتلال التركي الأخرى أم في ليبيا مثلاً أم في أيّ منطقة أخرى تحتاج إليهم تركيا فيها.
وثالثاً، هي تريد إحداث واقع ميداني في إدلب يجعل الأخيرة جزءاً من حدود «الميثاق الملّي» الذي تتطلّع إليه أنقرة، والذي يشمل إدلب والأراضي الأخرى المحتلة من شمال سوريا وشمال العراق.
أما مسألة النازحين المحتملين من إدلب إلى تركيا، فهي مجرّد ورقة عفا عليها الزمن تريد أنقرة ابتزاز أوروبا بها.
من هنا، كانت لهجة أردوغان ووزير دفاعه خلوصي آقار، الحادّة، والتي تهدّد، منذ فترة وقبل مقتل الجنود الخمسة، الجيش السوري بالويل والثبور إذا لم يوقف هجماته على المسلحين.
لذلك، لم تكن أنقرة مستعدة لرؤية أوضح للواقع الميداني والسياسي في إدلب، والعمل مع موسكو ودمشق لفكّ الاشتباك والتمهيد لحلّ سياسي، بل عملت على إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجبهة ضدّ الجيش السوري، وبقيادة مباشرة من آقار. وفي هذا، كانت ترتكب أخطاء إضافية؛ إذ بدا الجيش التركي مهدِّداً للجيش الرسمي لسوريا وعلى أرض سوريا، وكأن إدلب منطقة تركية. كما بدا أنه يدافع عن تنظيمات إرهابية بتصنيف الأمم المتحدة، وأن معركته لا تحمل أيّ مبرّر عملي ولا وطني ولا أخلاقي، وعارية من أيّ ذرائع مقنعة.

تريد أنقرة لإدلب أن تبقى بؤرة ضغط على الدولة السورية


حتى الآن، تبدو تركيا محبوسة ضمن طرحها الضيق. فمصير التنظيمات الإرهابية ليس من مسؤولية سوريا، بل من مسؤولية الطرف الذي استقدمهم من كلّ أصقاع الأرض، هم الذين ما كانوا ليمارسوا حربهم ضدّ سوريا لو لم تكن تركيا مقرّاً وممرّاً وداعماً لهم. والمهجَّرون ليسوا من مسؤولية سوريا التي تدعوهم إلى لفظ المسلحين والعودة إلى وطنهم. أما مسألة سعي تركيا إلى استعادة أراضي «الميثاق الملي»، فهذه مسألة لا تزال تُغشي عيون مسؤولي حزب «العدالة والتنمية»، متناسين أنهم بمثل هذه الحروب في سوريا والعراق وليبيا إنما يكرّرون التاريخ الذي سبق أن جرّبه قادة حزب «الاتحاد والترقي» عشية الحرب العالمية الأولى وانتهى بالدولة العثمانية إلى الانهيار والتفكّك.
إن الخطاب المستخدم من جانب سلطة حزب «العدالة والتنمية» تجاه سوريا وروسيا لا يبشّر بالخير. فهجمات الجيش السوري لتحرير إدلب ليست، وفق ذاك الخطاب، سوى اعتداءات من جانب «جيش النظام» و«روسيا الغدّارة» و«الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران». والتحريض المذهبي يبلغ مداه مع اتهام إعلام «العدالة والتنمية» الجيش السوري بأنه يهدم الأماكن المقدّسة في المناطق التي يحرّرها في إدلب. وانطلقت بالتوازي حملة ترويج لإقامة «منطقة آمنة» في إدلب. تقول صحيفة «يني شفق» إنه إن لم توقف تركيا بالقوة المسلحة «الاعتداءات» السورية فإنها ستكون أمام مخاطر عديدة. وبالتالي على تركيا، وفقاً لرئيس الاستخبارات السابق في الجيش إسماعيل حقي بكين، أن تقيم منطقة آمنة في شمال وغرب إدلب. وهو ما أشار إليه أيضاً برهان الدين دوران، عضو مجلس الرئاسة، الذي قال في صحيفة «صباح» إن على تركيا أن تستنجد بالولايات المتحدة (المتهمة حتى الأمس بمعاداة تركيا) لمواجهة التلاعب الروسي في إدلب وأن تقيم هناك منطقة آمنة. ولم توفر صحافة حزب «العدالة والتنمية» الجميع من انتقاداتها. فقالت صحيفة «يني شفق» في افتتاحيتها إن روسيا والولايات المتحدة تقفان في جبهة واحدة في معاداة تركيا، وكذلك إيران والسعودية، «فالذي يضرب تركيا في إدلب هما روسيا وإيران، والذي يضرب تركيا في ليبيا هي السعودية والإمارات ومصر. فكيف لهم جميعاً أن يجتمعوا في ظلّ السيناريو نفسه واللعبة نفسها ضد تركيا؟».