...منذ النزيف في سولفرينو

كُثر قد لا يعلمون كيف بدأت مسيرة «الصليب الأحمر»، وربما لم يسمعوا في حياتهم عن رجل الأعمال السويسري، هنري دونان، الذي قادته الأقدار إلى أرض معركة سولفرينو الدامية في يوم 24 حزيران/يونيو من عام 1859، بحثاً عن الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث الذي كان يقود الحرب متحالفاً مع سردينيا ضد الجيش النمساوي. كان هدف دونان من تلك الرحلة هو الحصول على موافقة الإمبراطور لمنحه امتيازاً لامتلاك أرض في الجزائر المحتلة من فرنسا، ليُنشئ طاحونة قمح. ومع وصوله إلى أرض المعركة شهد دونان آلاف الجرحى والقتلى من الجنود في الميدان وقد تُركوا من دون عالج، ما حذا به إلى الاستعانة بمتطوعين من القرى المجاورة لتقديم الطعام والشراب والعلاج من دون تمييز بين الجنود الجرحى من طرفَي الحرب.
مثّلت هذه التجربة حجر الأساس في إنشاء «اللجنة الدولة لإغاثة الجرحى»، والتي تحوّلت في ما بعد إلى ما بات اسمه اليوم «اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر». ومنذ 159 عاماً يعمل جرّاحو الحرب، وبينهم متطوعون أيضاً، في قلب النار، لإنقاذ الضحايا ومساعدتهم، بغض النظر عن «طرف الصراع الذي ينتمون إليه». كل هذا إيماناً منهم بشعار اللجنة: «الرحمة في قلب الحرب».
من هُنا، يمكن العودة إلى الحدث الأساسي (إطلاق التقرير الإقليمي حول عقد من جراحة الحرب)، والتحدّث عمّا يكابده هؤلاء الجرّاحون، وكيف تؤثّر الحروب لا على الضحايا فحسب وإنما على «الجنود المجهولين» من الأطّباء والجرّاحين الذين أخذوا على عاتقهم تقديم الرعاية لضحايا الحروب والكوارث الطبيعية، وتوفير العلاج للجرحى وإعادة تأهيلهم، والحدّ من ضرر الإعاقات الوظيفية، وآثار ذلك على سلامتهم النفسية.
التقرير الذي أطلقته اللجنة يتحدّث إذاً عن تجارب جراحة الحرب خلال العقد الأخير؛ حيث مزّقت الحروب منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، ونجم عن ذلك مستويات «غير مسبوقة» من المعاناة الإنسانية، ووصول أنظمة الرعاية الصحيّة بأكملها إلى حافة الانهيار، كما الحال في اليمن جراء الحرب التي تخوضها السعودية والدول المتحالفة معها. واللافت بحسب التقرير، هو أنه في فترة خمس سنوات فقط (بين عامي 2010 و2015) وقع نصف الوفيات المدنية الناجمة عن الحروب في جميع أنحاء العالم في كل من سوريا والعراق واليمن، وأن 90 في المئة من الجرحى كانوا من المدنيين. ومن هُنا، تُفهم أهميّة وجود مثل هؤلاء الجرّاحين، الذين يعملون ضمن منظمة محمية بموجب القرارات الدولية، بالرغم من أنه في حالات معيّنة لم يشفع هذا الأمر لمتطوّعيها الذين كان بعضهم ضحية للخطف أو الموت.

CC BY-NC-ND/ICRC (الصورة التقطت في عدن أثناء إخلاء مستشفى)

جرّاحون يعيدون الأمل
وصل ماورو ديلا توري، الجرّاح الإقليمي في أفريقيا، والذي انتدبه «الصليب الأحمر» ليكون على رأس مجموعة من الأطباء إلى غزة. كان ذلك عندما باشرت إسرائيل عدوانها على القطاع نهاية عام 2008 وبداية عام 2009. وبما أن ديلا توري هو جرّاح حرب ومتخصّص في التخدير، فقد عمل في مستشفى الشفاء، وهناك خاض كما يقول: «تجربة إنسانية فريدة»، برغم كل الصعوبات التي واجهَته وفريقه الذي عمل 24 ساعة بلا توقف؛ حيث تدفقت أعداد كبيرة من الجرحى معظمهم من المدنيين، وبما أنه كان يعمل في غرفة الإصابات القريبة من مدخل المستشفى، كان عليه تهيئة الوضع في ظل نقصان الأسرّة والعلاجات. وقد دفعه ذلك إلى أن يرتجل الحلول لكي يزيد من فرص البقاء على قيد الحياة لدى الجرحى الواصلين حديثاً، ولذلك استعان بالطلبة المتدرّبين الذين راحوا يضغطون البالونات لتزويد الجرحى بالأوكسجين.
أمّا الطبيب يوهانز تشاد، الذي انتدبه «الصليب الأحمر الألماني» إلى غزة عام 2010، فقد أشار إلى أهمية جراحة الحرب المستدامة. وفي القطاع على وجه الخصوص أظهر عدوان 2009، مدى أهمية تطوير وتحسين المشافي ولا سيما أقسام الطوارئ. ومن خلال خبرة اللجنة الدولية وعملها لأكثر من 50 عاماً في الأراضي المحتلة، وضعت برنامجاً بالتعاون من السلطة الفلسطينية لتطوير أقسام الطوارئ في المستشفيات هناك كافة. وبحسب شهادة الطبيب تشاد فإنه بات بالإمكان اليوم «رؤية الآثار الدائمة للتغيرات التي أُدخلت على أقسام الطوارئ». وكل ذلك بهدف أن «تتمكن المَرافق الصحية من متابعة عملها حتى من دون دعم اللجنة».
الحال لا يختلف بالنسبة إلى جراح الحرب، ريتشاد فيلار، الذي شرح عن تجربته خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014. وفي شهادته، يشير إلى أنه «لم يسبق له أن رأى العدد الهائل من الجرحى الذين وصلوا في يوم واحد إلى المستشفى الأوروبي في غزة»، ففي يوم واحد فقط بينما كان هناك 120-130 جريحاً يتلقّون العلاج، وصلت حافلة وعلى متنها 40 جريحاً! دفع الأمر بالأطباء إلى العمل بلا هوادة، إلى حدّ تدخل فيه عمّال النظافة في المستشفى ليساعدوا الأطباء في مهمتهم. وبرغم كل الظروف اللوجستية الصعبة، وبرغم الألم الذي لا يمكن احتماله، استطاع الفريق الطبي التغلب على كل شيء وإنجاز المهمة.

الدكتور ريتشارد فيلار في غزة CC BY-NC-ND / ICRC / Alyona Synenko

لا شك في أن العمل الصعب الذي قام به جرّاحو «اللجنة» من منتدبين دوليين وعاملين محليين، تركَ آثاراً نفسية عليهم. مع ذلك، بقيت قصص كثيرة مليئة بالأمل ربما تعوّض الأوقات الصعبة التي كابدوها. إحدى تلك القصص التي ترد في التقرير، تتحدث عن الطفلة روان النجار، التي اختبأت مع عائلتها في بيت جيرانهم، خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2014. وخلال مكوثها هناك تعرّض المنزل للقصف، فبقيت تحت الركام قبل أن تصل إلى المستشفى مع أهلها الذين ظنّوا أنها لم تعد على قيد الحياة. تدخّل الأطباء وأنقذوا حياتها، وأرسلت بعد خضوعها لعمليات جراحية في المستشفى الأوروبي، إلى مستشفى الأمل. وبمساعدة أطباء من جمعية «الهلال الأحمر القطري» خضعت روان للمعالجة الوظيفية والبدنية والنفسية، وهي اليوم قادرة على اللعب مع أصدقائها وأقاربها. وتقول في شهادتها إنها «تود مساعدة الآخرين في مجتمعها من خلال العمل التطوعي».
أمّا في اليمن، البلد الذي يعاني أهله ويل الحرب التي تخوضها السعودية ضدهم، فيبدو الوضع أسوأ بكثير من غزة؛ إذ يعاني أفقر بلد عربي من شحّ المواد والمعدّات الطبية، وأزمة غذائية غير مسبوقة راح ضحيتها عشرات الآلاف غالبيتهم من الأطفال. إلى هذا البلد عَبَرَ الفريق الطبي، بقيادة جرّاح الحرب، الطبيب ماركو بلدان، البحر من جيبوتي إلى عدن على متن سفينة خشبية محملة بالإمدادات الطبية، وذلك في رحلة استغرقت 12 ساعة. استطاع الفريق التدخّل وإنقاذ عددٍ من جرحى الحرب وتحسين خدمات الرعاية في حالات الطوارئ داخل مستشفى «الجمهورية» في عدن، ولكن مع تزايد أعداد الضحايا خاصة من المدنيين، وفي ظل نقصان العلاجات الطبية، قامت «اللجنة الدولية» بافتتاح مستشفى الجراحة في عدن، وهو يعالج حالياً جرحى الحرب، والمصابين الذين يحتاجون للرعاية ما بعد التدخل الجراحي.

الجروح البدنية تتعافى ماذا عن جروح الروح؟
الحال في اليمن وفي غزة لا يختلف عن الحال في العراق وسوريا وليبيا. ولأنه لا يمكن بالفعل التطرق لكافة القصص والتجارب التي حدثت هُناك (لكونها كثيرة)، تكتفي «الأخبار» بنقل قصة الطفل عبدالله (5 سنوات) الواردة في تقرير «اللجنة»: في أيلول/سبتمبر من عام 2017 لجأت أسرة الطفل عبدلله، كحال أسر كثيرة، إلى أحد المدارس. لكنّ الأخيرة تعرّضت للقصف. قُتل أفراد أسرة الطفل عبدالله البالغ عددهم 10، باستثناء أخته البالغة من العمر تسعة أعوام. جراء القصف، أصيب عبدالله بشظايا تسببت في تهشم عظامه، على الفور نُقل إلى مستشفى «حمام العليل» الذي تديره جمعية «الهلال الأحمر القطري». لقد خضع لعمليات جراحية شُفي على إثرها من جروحه البدنية، لكن الطفل الصغير الذي كان خائفاً ووحيداً لا يزال غير قادرٍ على الاستيعاب أنه فقد أسرته.