يواصل رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، سياسة الاحتواء ورمي الكرة في ملعب السلطة الفلسطينية، وهدفه في نهاية المطاف تكريس الوضع القائم في الضفة المحتلة لناحية الاستيطان. لكن نتنياهو يدرك مدى «الانزعاج» الأوروبي والأميركي من مواقف حكومته اليمينية الأخيرة، الأكثر تشدداً إزاء الفلسطينيين، وخاصة في ملف التسوية. نتيجة ذلك، يحاول مرة أخرى، الالتفاف على المطالب الدولية بضرورة الدفع نحو اتفاق نهائي مع السلطة الفلسطينية، عبر أطروحات تقوم هذه المرة على تجزئة القضايا العالقة مع السلطة، وتهدف إلى انتزاع شرعية للاستيطان من دون أي أثمان للطرف المقابل.


في هذا السياق، ذكرت صحيفة «هآرتس» أن نتنياهو أعرب، خلال اجتماعه مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، عن رغبته في تجديد المفاوضات مع الفلسطينيين بهدف التوصل إلى حدود للكتل الاستيطانية التي ستُضم إلى إسرائيل في إطار اتفاق سلام مستقبلي.
وبرغم أن المواقف التي قدمها نتنياهو توحي كأنها تقدم للمرة الأولى، على الأقل لجهة الصيغة والشكل الذي تم تقديمها به، فإنها لا تنطوي في الواقع على أي «تنازل» يقدمه للتعبير عن حسن نية، وإنما خلفية هذا الموقف تكمن في خشية رئيس الحكومة الإسرائيلية من الضغوط المتزايدة على حكومته عبر العواصم الرئيسية في أوروبا، وأيضاً خشيته، وفق بعض التقارير، من الاستعدادات في بروكسل لفرض عقوبات، مثل وضع العلامات على منتجات المستوطنات في الشبكات التسويقية في أوروبا، أو من المبادرة الفرنسية في الحصول على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يقرّ مبادئ لحلّ الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني.
وإذا ما كان هدف نتنياهو محاولة جر السلطة إلى طاولة المفاوضات، فإن الصيغة التي يقدمها لا تنطوي على أي مضمون يسمح لرام الله بتسويقه على أنه «إنجاز»، وهو ما يؤكد أن الهدف ليس سوى محاولة تقديم السلطة على أنها المعرقل للتسوية.
ويكشف التدقيق في مضمون الطرح الإسرائيلي الجديد أن فلسفته تقوم على محاولة انتزاع شرعية فلسطينية ودولية لمواصلة الاستيطان، إذ بعدما جرى توسيع الاستيطان كأمر واقع ومفروض ويحظى بانتقادات دولية وفلسطينية، يريد نتنياهو أن يعبّر عن «حسن نية» تجاه التسوية، عبر انتزاع موافقة فلسطينية وأوروبية وأميركية على توسيعه!
وفي ما يتعلق بإنجاز فلسطيني مفترض، وهو أن إسرائيل وافقت على ترسيم حدود الدولة الفلسطينية المفترضة من جهة الكتل الاستيطانية، فإن في ذلك تنازلاً مسبقاً عن هذه البقع الجغرافية من الضفة، من دون أن يقدم نتنياهو أي تنازل.
وفق «هآرتس»، فقد وصلت موغيريني إلى إسرائيل بهدف معلن هو فحص «إمكانية استئناف عملية السلام». ونقلت الصحيفة، عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن الهدف الرئيسي لنتنياهو في اجتماعه، كان «إظهار الاستعداد والرغبة، بل الحماسة لتجديد عملية السلام»، وذلك على خلفية انعدام الثقة العميق تجاهه في الاتحاد الأوروبي بشأن القضية الفلسطينية. وأعرب مصدر إسرائيلي آخر عن شكوكه إزاء جدّية تصريحات نتنياهو لموغيريني، مشيراً إلى أنه يتظاهر بالمرونة ظاهرياً بسبب الضغوط الدولية.
يُذكر أنها المرة الأولى التي يعرب فيها نتنياهو عن استعداده، حتى لو كان بصورة غير مباشرة، لتجميد البناء خارج الكتل الاستيطانية.
وكما هو معلوم، ففي المفاوضات التي قادها المبعوث الأميركي جورج ميتشل ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في عامي 2009-2011، عرض الأميركيون محاولة لتحديد الكتل الاستيطانية التي ستبقى بيد إسرائيل في إطار اتفاق سلام كي يكون بالإمكان الاستمرار في البناء في تلك المناطق، لكن نتنياهو رفض هذا الاقتراح آنذاك، ثم في عامي 2013-2014، أي في المفاوضات التي قادها المبعوث الأميركي مارتن إنديك ووزير الخارجية جون كيري، رفض نتنياهو إجراء محادثات حقيقية على حدود الدولة الفلسطينية، أو عرض خرائط واقتراحات حول الأراضي، وحتى وضع علامات على مخطّطات الكتل الاستيطانية التي يرغب في أن تبقى في يد إسرائيل ضمن اتفاق مستقبلي.
في كل الأحوال، ينبغي القول إن ما يلقى من مواقف ليس سوى مناورة تهدف إلى تفادي تحمل مسؤولية تجميد عملية التسوية، وإلقاء كرة المسؤولية على الطرف الآخر، لذا هي لا تعبر عن توجهات جدية إزاء التوصل إلى اتفاق نهائي مع السلطة الفلسطينية. وإذا ما كانت التجارب السابقة تؤكد أن الهدف الحقيقي لنتنياهو هو تكريس الوضع القائم، فإن تركيبة حكومته الحالية لا تسمح له بهامش مرونة واسع في هذا المجال أصلاً.
من جهة أخرى، مرر نتنياهو قراراً خلال جلسة حكومته الأسبوعية، برصد مبلغ 100 مليون شيكل (26 مليون دولار) من أجل الاستثمار في أعمال استيطانية في محيط حائط البراق في القدس المحتلة. وبرر خطوته بالقول إنه طرأ ارتفاع كبير على أعداد الزائرين إلى الحائط، زاعماً أن «حائط المبكى لكل شعب إسرائيل»، وأن القرار «يعكس التزامنا جميعاً مواصلة البناء في القدس».