وسط التجاذبات نفسها بين روسيا والغرب، انطلقت، يوم أمس، الجولة الثانية من الاحتجاجات التي يقودها المُعارض الروسي أليكسي نافالني، من داخل زنزانته. وخرج مناصروه المناهضون للحكومة، في مشهدٍ لم يختلف كثيراً عن ذاك الذي ساد الأسبوع الماضي، سوى لجهة تدنّي نسبة المشاركة في الاحتجاجات، التي بدأت صباحاً في بعض مدن الشرق الروسي ومنطقة سيبيريا، لتصل لاحقاً إلى العاصمة موسكو، وسان بطرسبرغ.

ومثل سابقاتها، شهدت هذه الجولة اشتباكات بين المحتجّين والشرطة الروسية التي شرعت، منذ الصباح، في تنفيذ مخطّط أمني لاحتواء التظاهرات - حيث فُرضت قيود على حركة النقل العام وسط موسكو وسان بطرسبرغ، فيما فُرض حظر للتجوال في عددٍ من شوارع وسط العاصمة -، ما أدّى إلى وقوع إصابات، فضلاً عن اعتقالات بلغت، وفق تقديرات أوساط معارِضة، أربعة آلاف شخص، من بينهم زوجة المعارض أليكسي نافالني، يوليا، التي أطلق سراحها في ما بعد. وأفادت مصادر قوى الأمن الداخلي، من جهتها، بأنه تم اعتقال أكثر من أربعة آلاف شخص خلال احتجاجات الأسبوع الماضي، فيما بلغ عدد الموقوفين، أمس، نحو 4500 شخص، 1395 منهم في موسكو، و961 في سانت بطرسبرغ، و194 في كراسنويارسك شرق روسيا. وتأتي هذه التحركات فيما يُنتظر أن يمثل المُعارض الروسي أمام القضاء الأسبوع المقبل، إذ من المقرّر أن تنعقد محكمة روسية للنظر في الحكم عليه بعقوبة سجن قد تصل إلى ثلاث سنوات ونصف سنة.
وكعادتهما، لم تفوّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرصة الاحتجاجات لمهاجمة روسيا. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن بلاده تدين «التكتيكات الوحشية التي تمارسها روسيا حيال المتظاهرين المعارضين لها»، مطالباً السلطات بالإفراج عن نافالني. من جهته، أبدى وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في تغريدة عبر «تويتر»، أسفه لـ»الاعتقالات الكثيفة» التي جرت خلال التظاهرات المؤيّدة لنافالني، و»الاستخدام غير المتكافئ للقوّة» بحقّ المتظاهرين والصحافيين. أما وزير الدولة الألماني للشؤون الأوروبية، مايكل روث، فقد رأى أن العلاقات بين الأوروبيين والروس وصلت إلى «الهوة». وفي مقالة له في مجلة «دير شبيغل» الألمانية، قال الوزير إنه «منذ تسميم المعارض الروسي، دخلت العلاقة بين برلين وموسكو في وضع أكثر صعوبة»، مؤكداً، في الوقت ذاته، وجوب «عدم بناء جدران من الصمت في علاقتنا المباشرة مع موسكو». وتدّعي ألمانيا، وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، أن نافالني تعرّض للتسميم بواسطة غاز الأعصاب «نوفيتشوك»، وهو ما تنفيه روسيا التي حاولت، أثناء إقامته في برلين، المشاركة في التحقيق الجنائي، وتقديم المعلومات والأدلّة التي تدّعي امتلاكها من دون جدوى. وعلى رغم وجود مذكّرة توقيف في حقّه، فقد عاد المعارض الروسي إلى بلاده متسلّحاً بدعم أميركي غربي، فيما شاركت السفارة الأميركية على نحو مباشر، اعتباراً من الأسبوع الماضي، في تنظيم حملة دعم متواصلة لمناصريه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
من ناحيتها، طالبت وزارة الخارجية الروسية الولايات المتحدة بالتوقّف عن التدخل في شؤونها الداخلية. وجاء في بيان الوزارة أن «التدخل الأميركي الفجّ في الشؤون الداخلية لروسيا هو حقيقة قائمة، كما هي الحال مع الترويج المزيّف والدعوات إلى التجمّع والحملات غير المرخّص لها عبر منصات الإنترنت، التي تديرها واشنطن». وأضافت أن «دعم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والدعوة إلى خرق القانون هما تأكيد آخر لدور واشنطن من وراء الكواليس»، وأنه «ليس هناك أدنى شكّ في أن الإجراءات الهادفة إلى تشجيع الاحتجاجات هي جزء من استراتيجية احتواء روسيا، ما يعدّ تدخّلاً في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة».