مَهّدت وسائل إعلام غربية كثيرة، مطلع تسعينيات القرن الماضي، لسقوط حكم الزعيم السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، مثلما فعلت مجلة التايم في غلافها الشهير (حزيران/ يونيو 1990) الذي حمل عنوان «في عين العاصفة». بعد نحو ثلاثة عقود، تتجاهل وسائل الإعلام نفسها أزمة رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الذي كان حظي بهالة إعلامية غربية، كزعيم شاب ومثقّف، مرشّح لقيادة القارّة الأفريقية نحو الديمقراطية التحوّلية، وصانعٍ لا يبارى للسلام في القرن الأفريقي، قبل أن يُمنح جائزة «نوبل» للسلام تقديراً لـ«جهود متوقّعة» منه مستقبلاً، في سابقة غريبة ومتعجّلة. عملياً، لم ينجح آبي أحمد سوى في إعادة إنتاج الفوضى داخل بلاده، والاكتفاء بلمسات تجميلية في ملفّ التحوّل الديمقراطي فيها، وتعزيز محاولة بائسة لتمديد هيمنة إثيوبيا خارج دائرة نفوذها التقليدي في القرن الأفريقي (والسودان)، إلى شرق أفريقيا وإقليم البحر الأحمر، وصولاً إلى مقارعة مصر في مصالحها البالغة الحيوية والتلويح بحرب دبلوماسية وحقيقية معها.

وفيما انشغل أحمد بمراوغات عفَّى عليها الزمن في ملفّ «سد النهضة»، ذَكّرت بأساليب المفاوض الإسرائيلي من عدّة نواح، وبممارسة «هيمنة كولونيالية» في توجيه المرحلة الانتقالية في الخرطوم، ومناورته إزاء الصين والولايات المتحدة في محاولة لشراء مكاسب مستحيلة، كانت الأزمة تتصاعد منذ مطلع العام الجاري في الداخل الإثيوبي، مع فشل حزبه الحديث التأسيس، «الازدهار»، في نيل التأييد الشعبي خارج إقليم الأمهرا، وتصعيد «جبهة تحرير التيجراي» الحاكمة في إقليم التيجراي مواقفها الرافضة للانضمام إلى الحزب بدلاً من «تحالف الجبهة الإثيوبية الشعبية» الذي تمّ تفكيكه على عجل نهاية عام 2019، في خطوة استعراضية صاحبت تتويج آبي أحمد بجائزة «نوبل»، وإصداره كتابه عن سياسة المصالحة «مدمر» (medemer)، الذي احتوى مقولات وأفكاراً غير متماسكة، ولا تشي بفهم واقعي لمشكلات تاريخية وإثنية ذات جذور تمتدّ لقرون في الأقاليم التي تَكوّنت منها دولة إثيوبيا في القرن التاسع عشر.
وتبلورت تلك الأزمة في رفض إقليم التيجراي حجج نظام آبي أحمد لتأجيل الانتخابات الإقليمية (التي كانت مُقرّرة في أيار/ مايو، ثم في آب/ أغسطس 2020) مرّة مطلع العام الجاري بحجّة نقص الدعم اللوجيستي (على رغم الدعم الكبير الذي قَدّمه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لمفوضية الانتخابات الإثيوبية بالفعل)، ومرّة منتصف العام نفسه بحجّة جائحة «كوفيد - 19»، ومُضيّ الإقليم مطلع أيلول/ سبتمبر الفائت في تنظيم الانتخابات الإقليمية المقرّرة دستورياً، وفوز الجبهة الحاكمة بأغلبية ساحقة في انتخابات نزيهة للغاية بحسب مراقبين دوليين. جاء ذلك على رغم تهديدات أديس أبابا للإقليم بمحاصرته، وفرض عقوبات ثقيلة على مسؤولي الجبهة، الذين واجهوا آبي أحمد بإباء كبير على خلفية إدارة جبهتهم لإثيوبيا فعلياً طوال نحو ثلاثة عقود، ومعرفتهم حقيقة الدور الذي يسعى للعبه آبي أحمد لإعادة إنتاج نظام فردي سلطوي مستنداً إلى ظهير إثني منافس: الأمهرا.

حاول آبي أحمد تحييد موقف السودان مسبقاً وإقناعه بغلق الحدود بشكل كامل مع «التيجراي»


كان لافتاً خروج آبي أحمد في أزمة التيجراي، حتى في بدايتها، عن هدوئه وبساطته المتكلّفة، واستخدامه لغة تيجرانية هادئة موجّهة إلى سكان الإقليم بضرورة أن ينفضّوا مِن حول قيادة «الجبهة التيجرانية»، وأخرى تهديدية مباشرة إلى قادة الجبهة بالاستهداف ومزيد من الإقصاء من أبنية الحكم الفيدرالي، في سوء تقدير لمدى التصاق سكان إقليم التيجراي بقادة «جبهة التحرير». وبدت مقاربة آبي أحمد متجاهلة، عمداً أو سهواً، لحقيقة تاريخية أشار إليها عدد كبير من المحلّلين الإثيوبيين، مفادها تطلّع إقليم التيجراي لتكوين دولة خاصة به بين قطاعات سياسية مهمّة من التيجرانيين، كما اتضح في البيان الأول الشهير لـ«جبهة التحرير التيجرانية»، والذي حَدّد «جمهورية التيجراي المستقلّة» هدفاً رئيساً لنضال الجبهة العتيد، وأن هذا الإقليم تحديداً ظلّ يتمتع بوضع الدولة المستقلّة واقعياً بعد عام 1991. وتَصوّر آبي أحمد أن نزعته «التصالحية»، والأفكار التي يُروّجها أنصاره بوصفه زعيماً جديداً لـ«الإثيوبيانية»، أو نزعة الوحدة الإثيوبية، كافية لتفكيك البناء السياسي والنضالي لإقليم التيجراي وخبرته التاريخية التي دفعته إلى قيادة إثيوبيا طوال العقود الثلاثة الماضية من دون منافس حقيقي.
ولم يكن أكثر المحلّلين تشاؤماً يتوقع اندلاع الحرب بين الحكومة الفيدرالية، بمكوّناتها العسكرية غير المتماسكة وغير ذات الولاء الاحترافي المشهود، وقوات إقليم التيجراي على هذا النحو المتعجّل، على رغم تلبّد الأجواء بتهديدات متبادلة بين الجانبين قبل ساعات من انطلاق الحرب فعلياً، بتنسيق كبير مع الجيش الإريتري ضدّ الإقليم. وبالنظر إلى غلبة العناصر الأمهرية على القوات الفيدرالية، فقد تَعزّزت الصبغة الإثنية للصراع، وتأكّد تلاعب آبي أحمد بسياسات «الإثيوبيانية» والاحتماء وراء هذا المصطلح الفضفاض، والاستعماري في واقع الأمر كونه يرجع إلى عهود الأباطرة المؤسِّسين للدولة الإثيوبية على حساب أقاليم شتّى خارج الهضبة الحبشية التاريخية، لتكريس نظام إثني جديد قوامه إثنية الأمهرا، وتتبعها إثنيات أخرى تقبل بأدوار ثانوية.
لكن على رغم التنسيق المسبق الذي اتضح شيئاً فشيئاً مع إريتريا قبل شنّ الهجوم، واستهداف آبي أحمد والرئيس الإريتري إسياس أفورقي عدوهما المشترك: التيجراي، ومحاولة الأول تحييد موقف السودان مسبقاً وإقناعه بغلق الحدود بشكل كامل مع الإقليم (عند منطقة القضارف وامتداداتها في خط قصير للغاية من الحدود السودانية الإثيوبية)، فإن الحملة العسكرية الفيدرالية لم تحسم المسألة في الوقت القصير نفسه الذي تَوقّعه آبي أحمد، انطلاقاً من نهجه المألوف في تحقيق انتصارات كلامية تمهيداً لأخرى واقعية. وإذ رفض أيّ تدخل أو وساطات إقليمية أو ثنائية، فقد أنكر مساهمة القوات الإريترية فعلياً في القتال، على رغم التقارير المؤكدة لذلك، واستهداف القوات التيجرانية أهدافاً حيوية داخل العاصمة الإريترية أسمرا، وما ورد من تقارير عن استخدام الجيش الإثيوبي طائرات مُسيّرة انطلاقاً من قاعدة إماراتية عسكرية في إريتريا لضرب أهداف داخل الإقليم منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري.
وفيما يسعى آبي أحمد ونظامه إلى تحقيق انتصار مهمّ على إقليم التيجراي عبر حشد إثني وإقليمي لتفادي تكرار الأقاليم الإثيوبية سيناريو التيجراي، فإنه واجه أزمة دولة حقيقية في ذلك، دفعته إلى استدعاء القوات الإثيوبية المشارِكة في عمليات الأمن في الصومال. وفيما اضطر السودان - خلافاً لرغبة رئيس الوزراء الإثيوبي - إلى فتح حدوده أمام تدفق اللاجئين من إقليم التيجراي، سواء كانوا مدنيين أم جنوداً من القوات الفيدرالية فارّين من ساحة القتال أم عسكريين تيجرانيين، تصاعدت الاشتباكات الإثنية الطابع على خلفية الحملة العسكرية الأخيرة في الأقاليم الحدودية مع السودان (وأبرزها إقليم بني شنقول الذي يُتوقّع أن يشهد أزمة إنسانية خطيرة).
تبقى حسابات الحسم خارج التوقعات، لكن خسارة آبي أحمد من جرّاء هذه الأزمة تُمثّل الأمر المحسوم يقيناً. فقد تَبدّدت صورته كرجل سلام ورجل دولة، وانكشفت مقولات «الإثيوبيانية» بفضل الحشد الإثني للأمهرا في حملته العسكرية، وتداعي احترافية الجيش الإثيوبي على وقع الانتماءات الإثنية، في أول اختبار حقيقي له منذ تولّي آبي أحمد قيادة البلاد في نيسان/ أبريل 2018. وفيما يشهد القرن الأفريقي بأكمله احتمالات أزمة كارثية، فإن صورة آبي أحمد ووضعه إثيوبيا - ثاني أكبر دول القارة الأفريقية سكاناً ومن أهمّها تأثيراً - في عين العاصفة لم يحظيا بعد بالاهتمام الدولي الذي كان متوقعاً في مثل هذه الحالات، إمّا على وقع إتاحة الفرصة له لاستكمال التحوّل الديمقراطي، أو منحه تفويضاً مسبقاً بالصوابية السياسية وصكّاً باستكماله مشروع «الإثيوبيانية» الخارج من رحم أفكار العصور الوسطى الإثيوبية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا