«جو بايدن ليس منقذاً لروح أميركا. إنه مدمّر لمشاريعها، وإذا أُتيحت له الفرصة، فسَيدمِّر العَظَمة الأميركية»

(من خطاب دونالد ترامب أمام مؤتمر
الحزب الجمهوري)

«الرئيس الحالي أغرق أميركا في عصر ظلام مديد... وإذا أسندتم الرئاسة إليّ، فسأناصر النور، وليس الظلام»
(من خطاب جو بايدن أمام مؤتمر
الحزب الديموقراطي)


تبدو استعادة «العَظَمة» الأميركية على المحكّ، بعدما استحالت سياسة «أميركا أولاً»، على مدى سنواتٍ أربع، إلى «ترامب أولاً». سَمّم وباء «كورونا» وما خلّفته سياسة «احتوائه» من تداعيات ثقيلة على اقتصاد الولايات المتحدة، عاماً انتخابيّاً كان يُفترض أن يشكِّل خاتمةً سعيدة لرئيسٍ اعتَقد أن الفوز السهل في متناول يده. لكن موازين المعركة وأرقامها ومؤشّراتها استقرّت، لأشهرٍ، على الضفة الأخرى لمصلحة جو بايدن، بل إنّها تعزّزت أكثر لمّا قرّر هذا الأخير اعتماد استراتيجية تقوم على تحويل المعركة إلى استفتاء على أداء ترامب السيّئ في مواجهة الأزمة الوبائية، حتّى بات الرئيس الحالي يخوض الانتخابات ضدّ خصمٍ أكبر اسمه «كورونا». تَحوّل ترامب شيئاً فشيئاً إلى سياسة الهجوم في موازاة التحذير من «المدّ الاشتراكي» والفوضى القادمَتين، فيما يؤشّر غياب برامج انتخابية واضحة عن حملتَي المرشّحَين، وانفصالهما الكامل عن تقاليد السياسة الأميركية، إلى معركة استثنائية بدأت باكراً هذا العام، ويصفها البعض بالانتخابات «الأهمّ» في التاريخ الأميركي، لكونها تجري على قاعدة «إمّا قاتلاً أو مقتولاً».

لا مفاجآت لهذا العام
استطاع المرشّح الديموقراطي، جو بايدن، أن يحافظ على تقدِّم مريح في استطلاعات الرأي التي منحته أفضليّة، إنْ على المستوى الوطني أو حتّى في ولاياتٍ متأرجحة يحمِل ناخبوها مفاتيح البيت الأبيض. تتالت الإشارات، ومعها التوقّعات، إلى احتمال حدوث مفاجأة مِن شأنها أن تَقلِب الموازين لمصلحة الرئيس الحالي دونالد ترامب، مِن وزن «مفاجأة أكتوبر» لعام 2016، حين أعاد «مكتب التحقيقات الفدرالي»، قبل أيام قليلة مِن يوم الاقتراع، فتح التحقيق في استخدام هيلاري كلينتون بريدها الإلكتروني الشخصي في المداولات الدبلوماسية أثناء تولّيها منصب الخارجية (2009-2013). يُعتقد أن توقيت الإعلان، معطوفاً على «حماسة» الأميركيين لخطابٍ غير تقليدي تكفّل ترامب ببثّه، أسهَما في تعزيز حظوظ المرشّح الجمهوري، وصولاً إلى لحظة فوزه. لحظةٌ شكَّلت - وهذه الحال - صدمةً في أوساط مؤسسات الاستطلاع، كما لدى الديموقراطيين، إلى درجة أن الجميع بات يفضّل إبقاء كلّ الاحتمالات قائمة، ولا سيما أن الفارق غير الوازن بين المرشَّحين، وكذا «السوابق»، لا يسمحان بحسم النتيجة باكراً، على رغم أن مفاجأة من العيار الثقيل تبقى مستبعدة عشية الانتخابات.

وباءٌ انتخابي
قبل أربع سنوات، وجدت طروحات ترامب القادم من خارج النادي السياسي صدىً كبيراً لدى كتلة وازنة من الناخبين، ممثلةً بالعمّال الأميركيين البيض الذين صوّتوا بكثافة في حينه، وعلى نحوٍ لم تتوقّعه مؤسّسات الاستطلاع. اندفاعة هؤلاء جاءت على خلفية السياسات الاقتصادية المُعتمدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. سياساتٌ أفادت فئات اجتماعية ضيّقة، فيما أحدثت مزيداً من الضرّر لدى فئة العمّال البيض خصوصاً، بعدما كان وضعها جيداً فترةَ نموّ رأس المال داخل الولايات المتحدة نتيجة الصناعة، إلى أن بدأ ينهار مع تراجع الصناعة في عهد رونالد ريغان (1981-1989). يفسر ما سبق الشعبية الواسعة التي حَظي بها مرشّحان مثل بيرني ساندرز ودونالد ترامب بين هذه الفئة، وإن كان أحدهما يحرّكها يساراً والآخر يميناً. وَعَد ساندرز بلحظة تغيير، وكذا فعل ترامب. نجح الأخير في الاستفادة مِن حالة غضب بعض الفئات الاجتماعية على سياسات أوباما، رجل المؤسّسة الذي راهن على التغيير المتراكم. غير أن الاضطرابات والتقلُّبات، معطوفةً على الاستقطاب غير المسبوق داخل الولايات المتحدة بفعل سياسات إدارة ترامب التي انهارت أمام أوّل أزمة جديّة تواجهها البلاد، ربّما تُبدّل الأحوال. الوضع الراهن وما آلت إليه الأحوال يجعلان المقارنة بين ما سبق وما هو قادم غير مجدية؛ لأن ترامب فشل في احتواء الأزمة الوبائية وتداعياتها المرهقة على كلّ المستويات، وهو الذي كان يدعو، يومياً، إلى عودة الحياة إلى طبيعتها بدلاً من اتباع سياسة الإغلاق، وهو، على رغم إصابة ثمانية ملايين ونصف مليون أميركي ووفاة أكثر من 225 ألفاً فضلاً عن تدهور الاقتصاد وارتفاع معدّلات البطالة وانخفاض مستويات الدخل، يؤكّد أنه نجح في احتواء «كورونا»، وأن الأزمة إلى انحسار.

الوضع الراهن وما آلت إليه الأحوال يجعلان المقارنة بين ما سبق وما هو آت غير مجدية


لم تكن انتخابات عام 2016 تدور في فلك أيديولوجيتين متنافستين، كما قال أوباما في عام 2016، لكنها شكّلت «خياراً جوهرياً حول هويّتنا كشعب»؛ سلَّمت إدارة أوباما، باكراً، بأنها تغادر بعد ثماني سنوات تاركةً وراءها إنجازات من شأنها أن «تُبقي الولايات المتحدة القوّة البارزة في العالم لعقودٍ قادمة»، على حدّ تعبير نائب الرئيس السابق. وإن خاب الرهان السابق، فاعتماد بايدن يقتصر، راهناً، ليس على برنامج عمل أو خطة ستنتشل البلاد مِن أزماتها أو سياسات تغييرية، ولكن على واقع أن خصمه فشل فشلاً ذريعاً في إدارة التحدّي الأخطر الذي تواجهه البلاد، وأن عليه المغادرة، لأن الأميركيين ضاقوا ذرعاً بفترةٍ رئاسية واحدة لترامب، وباتوا يطمحون إلى بعض الاستقرار في ظلّ «دولة المؤسسات».

الوظائف
صحيح أن التوظيف تحسّن في عهد ترامب، لكن الدخول بقيت على حالها. وعلى رغم أن نسب البطالة انخفضت إلى مستويات تاريخية (3.5%) في سنواته الثلاث الأولى (قبل ظهور الوباء)، إلا أن ذلك يرجع إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي التي أعقبت ولايتَي أوباما (تسلّم هذا الأخير منصبه في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008)، وليس إلى خطط الرئيس. في هذه الحالة، يصبح التوظيف بديهياً في ظلّ النموّ الاقتصادي، ويصير «الإنجاز» الفعلي تحسين الرواتب والأجور. جاءت الإعفاءات الضريبية (عملية نقل للثروة إلى طبقة الـ1% والمؤسسات الكبرى) لتزيد المديونية، في وقتٍ استهدف فيه ترامب القطاع الصحي والرعاية الصحية والحماية القانونية للنقابات والعمال. رهانه على التخفيف من هذه الأعباء، مقابل إعادة الحياة إلى الصناعات التقليدية على حساب البيئة والصحة العامة، مثل المناجم والتنقيب عن النفط، فشل، حتى قبل الموجة الوبائية التي تركت 40 مليون عاطل من العمل.
بايدن، وإذ يحاول إمساك العصا من المنتصف، أيّد صراحةً رفع الحدّ الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة. وهو خاض مواجهة حقيقية في المناظرة الأخيرة مع ترامب، الذي رفض وضع حدّ أدنى إجباري للأجور على مستوى البلد، لكونه يضرب الأعمال الصغيرة. تقوم سياسة المرشّحَين على وجهتَي نظرٍ مختلفتين ضمن الاقتصاد الرأسمالي. تقول الأولى إن انخفاض الرواتب والأجور يؤدّي بالضرورة إلى ارتفاع نسب التوظيف، بينما تشير الثانية إلى أن رفع الأجور في المجتمعات الرأسمالية القائمة على الاستهلاك، يزيد القدرة الاستهلاكية، والاستهلاك ينعش الاقتصاد، وتالياً يعزّز التوظيف.

أرقام
لا يزال فوز أيٍّ من المرشّحَين غير مضمونٍ؛ وعلى رغم احتفاظ بايدن بالصدارة في استطلاعات الرأي، إلّا أن احتمال بقاء ترامب في البيت الأبيض قائمٌ، في حال تمكّن من انتزاع ولايات أساسية تعكس أصلاً منافسة محمومة بين المرشَّحين. يبدو ذلك جلياً في ولايات مثل فلوريدا وأريزونا وكارولينا الشمالية. لكن السؤال يدور عمَّا إذا كان المرشّح الديموقراطي يستطيع إعادة إنتاج «التحالف الديموقراطي الكبير»، لكون خسارة ترامب المحتملة تعني بالضرورة أن ائتلافاً انتخابياً واسعاً احتشد ضدّه. وفي ما لو تشكَّل هذا الائتلاف، وهو ما سيبيّنه توزّع الأصوات لاحقاً، فإن المسبّب هو ترامب، وليس شعبية بايدن طبعاً. من جهته، يعتمد ترامب على الناخبين البيض من غير المتعلِّمين، فيما يتقدّم على خصمه في نسب التأييد التي يحظى بها لدى الرجال البيض (57% مقابل 36%)، وتبقى احتمالات فوزه قائمة إذا تمكّن من الحفاظ على «حزام الصدأ»، وتحديداً ولايَتي فلوريدا وأريزونا، إضافة إلى ضرورة فوزه في كارولينا الشمالية، وواحدة من الولايات الكبرى في ما يعرف بـ»الجدار الأزرق» الديموقراطي (فاز فيها عام 2016)، أي بنسلفانيا أو ميشيغن أو ويسكونسن. لكن طريق بايدن إلى البيت الأبيض تبدو أسهل؛ فهو يحتاج إلى الفوز بفلوريدا وحدها، حتى يحسم السباق لمصلحته، وسترتفع حظوظه كثيراً في حال انتزاع كارولينا الشمالية أو أريزونا أو جورجيا، وكذا أوهايو وأيوا، اللتين خسرهما الديموقراطيون في 2016. ويمكن بايدن إلحاق الهزيمة بمنافسه، حتى لو خسر هذه الولايات الستّ، وفاز في ميشيغن وويسكونسن وبنسلفانيا. استناداً إلى هذه الأرقام، تبدو خيارات ترامب محدودة، كما يبدو احتمال تقليص الفارق بينه وبين خصمه، ضعيفاً. وحتى تتوفر له إمكانية تحقيق نصر في هذه الانتخابات، يتعيّن أن تمنحه كلّ الولايات التي فاز فيها في انتخابات عام 2016 صوتها، على أن يكون من ضمنها واحدة على الأقلّ من الولايات الثلاث الأولى، أي ويسكونسن أو ميشيغن أو بنسلفانيا.
ثمّة مَن يردّد أن ما ستشهده أميركا في غضون أيام سيكون أهمّ انتخابات في تاريخها. هل لأن نتيجتها ستُحدِّد، مثلاً، «مساراً جديداً» للسلوك الأميركي، إن كان داخلياً أو على المستوى الخارجي؟ أم لأن رهان المؤسسات على ترامب فشل؟ أو ربّما لأن الأميركيين باتوا يفضّلون مَن «يناصر النور على الظلام»؟ أيّاً كانت نتيجة الثلاثاء المقبل، يتعيّن الانتظار أربع سنوات أخرى لحسم المعركة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا