التحالفات الإقليمية والدولية التي نسجها النظام في فنزويلا مع كوبا وروسيا والصين وإيران، قبل خياراته السياسية والاقتصادية ـــــــ الاجتماعية الداخلية، هي التي دفعت بولتون الى اعتباره تهديداً. يرى مستشار الأمن القومي السابق أن «خطر موسكو كان واضحاً، على المستويين العسكري والمالي، لأنها أنفقت موارد مهمة لدعم مادورو، والسيطرة على صناعة الغاز والنفط في فنزويلا وفرض أكلاف على الولايات المتحدة. الصين لم تكن بعيدة أيضا». لكنه يضيف، في سياق توضيحه لخلفيات استهداف فنزويلا، أن «أميركا كانت قد واجهت تحديات خارجية في النصف الغربي من الكوكب منذ بلورة عقيدة مونرو وكان الوقت قد حان لإحيائها، بعد جهود أوباما-كيري لدفنها». ترامب كان يريد إسقاط النظام في فنزويلا قبل اندلاع الاحتجاجات التي نظمتها المعارضة في كانون الثاني 2019 ، فهو طلب من بولتون في 15 آب 2018، بعد تعرّض مادورو لمحاولة اغتيال بطائرة مسيّرة، والتي فسّرت على أنها دليل على ضعف دعم الجيش له، العمل للتخلص من نظامه، وأصرّ على أنه يريد خياراً عسكرياً لهذه الغاية، لأنها، بحسب تعبير الرئيس الأميركي، «جزءاً من الولايات المتحدة». بل هو، بحسب بولتون، كان يلمّح الى مثل هذا الخيار منذ 11 آب 2017 عندما أعلن في أحد مهرجاناته: «لدينا العديد من الخيارات، وأنا لن أستبعد خياراً عسكرياً». شرح الأول لترامب سبب اعتقاده بعدم جدوى هذه المقاربة نتيجة المعارضة التي ستواجهها في الكونغرس وكيفية تحقيق الأهداف نفسها من خلال التعاون مع المعارضة الفنزويلية. وفي خطاب ألقاه في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 عمّا سمّاه «ترويكا الاستبداد، أي فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا، سعى بولتون لإدراج سياسة الادارة حيال فنزويلا في سياق استراتيجية عامة إقليمية في أميركا الوسطى. الفرصة التاريخية توفرت بنظره عندما اندلعت التظاهرات في شهر كانون الثاني، غير أن «تردد الرئيس فاقم الخلافات في الادارة، وأعاق جهودنا لاعتماد سياسة فعلية تؤدي الى سقوط نظام مادورو». اقترح تصنيف فنزويلا دولة داعمة للإرهاب، مع ما يستتبع ذلك من عقوبات تسرّع في اعتقاده في انهيار نظامها، وخاصة أن صادراتها النفطية قد تراجعت من 3,3 ملايين برميل يومياً في 1999 الى 1,1 مليون برميل في كانون الثاني/يناير 2019. استهداف شركة النفط الوطنية بالعقوبات كان بالنسبة اليه وللمعارضة الفنزويلية الطريق الأقصر للقضاء على النظام.

في 21 كانون الثاني اقترح بولتون على ترامب الخطوات السياسية والاقتصادية التي يمكن اتخاذها ضد مادورو. شكك ترامب في إمكانية سقوطه «لأنه ذكي وقوي جداً»، بعد أن كان قد أعلن عكس ذلك في 25 أيلول 2018، وتحدث عن قدرة الجيش على إطاحته فوراً إن قرر ذلك. الاعتراف بخوان غوايدو رئيساً انتقالياً كان له بتقدير بولتون أولوية على العقوبات النفطية. الخزينة الأميركية كانت تستطيع عندها تحويل ودائع الحكومة الأميركية التي في حوزتها للإدارات الموالية له. غير أن حماسة ترامب للمعارضة في فنزويلا سرعان ما بردت بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الدفاع الفنزويلي وأُوِّل من قِبَله على أنه اصطفاف خلف مادورو، فقال لبولتون وبقية فريقه: «قلت لكم دائماً إن مادورو قوي! هذا الصبي، غوايدو، لم يسمع به أحد قبل اليوم». استعجل ترامب اعتبار المعارضة مهزومة بسبب موقف جنرالات الجيش المساند لمادورو، بينما كان بولتون يحاول إقناعه بأن المعركة بدأت للتو مع فرض العقوبات، وأن الانتصار فيها ممكن، ولكن على المدى المتوسط، بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عنها وبروز انقسامات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية. ويعزو بولتون قدرة النظام الفنزويلي على الاستمرار الى الدعم الخارجي: «ما يمنع اليوم تحرير فنزويلا هو الوجود الكوبي، المدعوم مالياً من الروس. إذا غادرت شبكات كوبا العسكرية والأمنية البلاد، فسيصبح وضع نظام مادورو غاية في الصعوبة، وقد لا يستطيع البقاء. الجميع يعرف هذه الحقيقة ، خاصة مادورو، الذي وصل الى موقعه بفضل تدخل الكوبيين في الصراع على السلطة بعد وفاة تشافيز. إذا عدنا الى تلك المرحلة، بات من الواضح بالنسبة إلي أن هافانا رأت في مادورو أكثر المرشحين الذين تستطيع التحكم فيهم».