تتسارع التطورات الداخلية في إسرائيل على خلفية الصراع على السلطة، بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ومنافسيه من الأحزاب والتكتلات الأخرى، وأيضاً داخل معسكره، وحتى داخل حزبه. إذ تبيّن أنه لا يصارع حصراً من أجل رئاسة الحكومة، حيث المنصب الذي يؤمّن له الحصانة من الملاحقة القضائية، بل كذلك على زعامة حزب «الليكود»، التي يبدو أنها موضع «تآمر» من منافسيه تحت أعذار منع التوجه إلى انتخابات ثالثة. وفي أعقاب اجتماع نتنياهو برئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، أمس، والذي قيل إنه لم يتوصل إلى نتائج مرضية جرّاء بقاء الطرفين على مواقفهما، بدأ التداول في إمكانية التوجه إلى انتخابات تمهيدية في «الليكود»، تهدف إلى تأكيد تمسك الحزب برئيسه ومنع الانقلاب عليه.

هي خطوة يبدو أن نتنياهو سيضطر إليها بعد إخفاقه في تشكيل الحكومة، وكذلك الفشل المرتقب لزعيم حزب «أزرق أبيض» بني غانتس في حال تكليفه لاحقاً، والذي سيفسح في المجال أمام آلية قانونية خاصة مفادها أن يحاول أي عضو »كنيست» الحصول على دعم 61 عضواً لتشكيل الحكومة، التي يمكن أن يترأسها في هذه الحالة «ليكودي» غير نتنياهو. الفرضية تلك، والتي بدأ تداولها أمس، ستؤدي عملياً إلى إقصاء الرجل عن رئاسة الحزب قبل تأكيد الإقصاء لاحقاً بانتخابات تمهيدية. ومثلما هو حال نتنياهو في السيناريوات الأخرى التي عمل على مواجهتها في الانتخابات الماضية والحالية، عليه أن يعمل الآن على تحصين نفسه ومكانته داخل حزبه، ثم في كتلة اليمين لمنع انسياقها إلى «تسوية» مع الوسط وليبرمان. تسويةٌ باتت أكثر من ممكنة، بما سيؤدي إلى تنحيته فعلياً، ليس عن رئاسة الحكومة فحسب، بل «الليكود» نفسه، خاصة أن الأحزاب اليمينية رفضت في اليومين الماضيين التوقيع على «حلف مكتوب» للتضامن الكامل معه في مواجهة محاولات إقصائه.
هذه التطورات من شأنها رفع منسوب الخشية لدى نتنياهو من أن يسقط من بوابة الساحة الداخلية لحزبه، ما دفعه أمس إلى الإعلان عن إمكانية إجراء انتخابات تمهيدية سريعة في «الليكود»، كي يُظهر للآخرين ولأقطاب في حزبه حجم مكانته. وفي جلسة خاصة لكتلة حزبه أمس، قال: «إذا أعلنّا انتخابات تمهيدية سريعة، فإنها ستكون السبيل لإيقاف جميع أقاويل معارضينا عن أن هناك إمكانية لإبعادي. هذا سيؤدي إلى الوحدة حول قيادتي». وجاء في بيان لـ«الليكود» لاحقاً أن الانتخابات الداخلية تهدف إلى «تحطيم الأوهام بوجود تمرّد في الحزب، الأمر الذي تتمناه الأحزاب الأخرى، وهو ما يُعيق انضمامها إلى حكومة وحدة وطنية».
اللافت أن الحديث عن انتخابات تمهيدية في «الليكود» جاء عقب جلسة نتنياهو - ليبرمان، وكأنه جزء من نتائجها. فهل هذا هو الحلّ الذي وعد به زعيم «إسرائيل بيتنا» في حال فشل تشكيل الحكومة؟ أم أن المسألة أبعد من ذلك، وهي تهدف إلى إبعاد شبح التآمر عن نتنياهو؟ في نظرة عامة على صراع القوى وتوزع الأقطاب داخل «الليكود»، يتبيّن أن عدد طالبي كرسيّ الرئاسة كثيرون، ويتمنون بطبيعة الحال إسقاط نتنياهو، لكن العقبة شبه الوحيدة أمام هؤلاء هي أن الجريء الأول الذي سيطالب بتنحية الرجل، وتفضيل مصلحة الحزب على المصالح الشخصية لرئيسه الحالي، يكون عملياً قد أعدم مكانته في الحزب، بعد أن يُتهم بأنه تسبب بالتفرقة. لكن الجميع ينتظرون هذا الجريء الذي سيقوم بالمَهمة الانتحارية. السؤال الحالي: هل اضطرار نتنياهو إلى انتخابات تمهيدية يفتح المجال أمام الجميع للتنافس؟ تتعذّر الإجابة في هذه المرحلة قبل الإعلان الرسمي عن موعد الانتخابات أولاً. كما أنه يجب انتظار نتيجة جلسات الاستماع في قضايا الفساد والرشى، والتي ستحسم جملة أمور من شأنها فتح الأبواب لمسارات ما زالت إلى الآن نظرية، ومن بينها إقالة نتنياهو من داخل حزبه.
أحد الأقطاب الرئيسين في «الليكود»، جدعون ساعر، المعروف بخلافه الكبير مع نتنياهو، أعلن فور الحديث عن الانتخابات التمهيدية أنه «مستعدّ لخوضها»، فيما تردّد بقية الأقطاب، بل منهم من سارع إلى إعلان تأييد نتنياهو، وفي المقدمة وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، الذي يُعدّ الأوفر حظّاً لتولي رئاسة «الليكود» في حال إسقاط رئيسه. ولتسهيل التفكير «الليكودي» الداخلي، أعلن الرجل الثاني في حزب «أزرق أبيض»، يائير لابيد، أنه تنازل عن اتفاقه مع غانتس في شأن التناوب على رئاسة الحكومة كما ورد في برنامج الحزب الانتخابي، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي لتعزيز إمكانية تشكيل حكومة وحدة، علماً أن الهدف حقيقة هو الردّ على اتهامات ساقها نتنياهو ضدّ لابيد، عندما قال إن الأخير يضغط على غانتس لعرقلة تشكيل الحكومة كي تبقى فرص توليه رئاسة الحكومة قائمة.
يُنبئ المشهد الداخلي في إسرائيل بتطورات جديدة وحاسمة، تتمحور حول الصراع الذي يخوضه نتنياهو من أجل بقائه، وأيضاً كي لا يدخل السجن، وهو ما لن يتحقق على ما يبدو إلا ببقاء صفة رئيس الوزراء ملتصقة به، ما يعني أن ثمة حرب بقاء يخوضها نتنياهو ضد خصومه ومنافسيه، حتى من داخل حزبه، وإن كانت أصواتهم خافتة إلى الآن. إذاً، هي معركة على مصير نتنياهو قبل أن تكون على الحكومة. وإذا كان الرجل يعمل وفريقه المرتبط به داخل حزبه أو حكومته على احتواء الخطوات الإقصائية، وصدّ كل محاولات إسقاطه المباشرة وغير المباشرة منذ أن أُعلنت نتائج الانتخابات الأخيرة وقبلها، فإن التطورات الداخلية تُنبئ بنهاية سيئة، خصوصاً في حال صدور قرار اتهامي بحقه، ما من شأنه الدفع بكلّ الفرضيات الموصلة إلى إسقاطه قدماً.