لا تشي صور ضحايا «الزفاف الأحمر» في العاصمة الأفغانية كابول بأي سلام مقبل في هذا البلد، وإن كانت الوعود تقول خلاف ذلك. الهجوم الانتحاري الذي استهدف زفافاً مزدحماً قِيل إنه جَمع ما لا يقلّ عن ألف شخص، وتبنّاه «داعش»، خلّف 62 قتيلاً و182 جريحاً، لم تشفع لهم، طبعاً، الأجواء التفاؤلية التي تشيعها الولايات المتحدة عن قرب الاتفاق بينها وبين حركة «طالبان»، تمهيداً لانسحابها من أطول حروبها على «الإرهاب».

وبحسب الناطق باسم وزارة الداخلية الأفغانية، نصرت رحيمي، الذي أعلن حصيلة الضحايا، مؤكداً أن «انتحارياً» نفّذ الاعتداء، فإن الهجوم الذي «وقع في صالة الرجال» «تضرّرت إثره النساء والأطفال، لأن الصالتين كانتا متجاورتين». هجومٌ تبناه فرع «داعش» في أفغانستان، «ولاية خراسان»، معلناً في بيان: «تمكّن أبو عاصم الباكستاني من الوصول إلى تجمّع كبير من الرافضة المشركين. وحينما توسّط جموعهم فجّر سترته الناسفة. وبعد قدوم عناصر الأمن الأفغاني إلى المكان، فجّر المجاهدون سيارة مفخخة مركونة، ما أدى إلى هلاك وإصابة 400 من الرافضة المشركين وقوات الأمن الأفغانية المرتدّين». «طالبان»، من جهتها، سارعت إلى التنديد بالهجوم، نافيةً أي علاقة لها بهذا العمل الـ«الإجرامي». وقال الناطق باسمها، ذبيح الله مجاهد، إن «مثل هذه الأعمال لا توجيه لها (من الحركة) ولا مبرر، ولا تجوز بأي شكل». ورغم نفيها، إلا أن الرئيس الأفغاني، أشرف غني، أكد أنه «لا يمكن لطالبان إعفاء نفسها من المسؤولية، لأنها توفّر منبراً للإرهابيين».
يأتي الهجوم الدموي في وقت لمّحت فيه مصادر أميركية عديدة، في الأيام الأخيرة، إلى أن الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان» قد يكون وشيكاً، لكن ما زالت هناك بعض النقاط التي تجب تسويتها. وعزّزت الأجواءَ التفاؤلية إشارةُ البيت الأبيض إلى أن مباحثات يوم الجمعة بين الرئيس دونالد ترامب وكبار مستشاريه ووزراء إدارته حول الاتفاق تجري «بشكل جيد جداً». اللقاء الذي حضره كل من وزير الدفاع مارك إسبر، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الجنرال جوزف دانفورد، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، والمبعوث الأميركي الخاص للمفاوضات مع «طالبان» زلماي خليل زاد، كان محل ترحيب وارتياح من قِبَل ترامب. وكتب الأخير عبر «تويتر»: «كثيرون في المعسكر المعارض لهذه الحرب التي يبلغ عمرها 19 عاماً، ونحن شخصياً، نفكر في إبرام اتفاق إذا كان ذلك ممكناً».

لمّحت مصادر أميركية عديدة إلى أن الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان» بات وشيكاً


ومن شأن اتفاق السلام المقترح أن يحقّق هدف ترامب الرئيس، إذ ينصّ على الانسحاب التدريجي للجنود الأميركيين البالغ عددهم 14 ألفاً، لقاءَ تعهدات أمنية من قِبَل «طالبان» بعدم السماح لتنظيم «القاعدة» أو «داعش» بالعمل في الأراضي التي تسيطر عليها الحركة. هذا الالتزام، بحسب مسؤولين عسكريين أميركيين تحدّثوا إلى صحيفة «واشنطن بوست»، مهمّ للمساعدة في منع الجماعات المتطرفة الأخرى من استخدام أفغانستان كنقطة انطلاق لشنّ هجمات ضد المصالح الأميركية في المنطقة. ومع ذلك، فإن الاتفاق، كما وصفه هؤلاء المسؤولون، يترك العديد من القضايا الرئيسة من دون معالجة، وقضايا أخرى لم تصادق عليها «طالبان»، بينما لا تزال تتعيّن صياغة الكثير من النقاط في اجتماعات مقبلة بين الحركة والحكومة الأفغانية لم يتم تأكيدها أو الإعلان عنها بعد. وفي حين تشير المعلومات إلى أن الاتفاق، بصيغته الحالية، يتضمن صلة واضحة بين الانسحاب الأميركي وموافقة «طالبان» على بدء مفاوضات مع الحكومة الأفغانية، إلا أن التزام الحركة في هذا السياق يبقى محلّ جدل، خصوصاً أن موقفها المُعلن لا يزال يندرج في إطار رفضها المفاوضات المباشرة مع حكومة غني.
وبينما تشير الصفقة، التي عرضها خليل زاد خلال الاجتماع الأخير، إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار، فإنها لا تتضمن جدولاً زمنياً لهذا الوقف، لكنها تشدد على أن هذه التفاصيل يجب أن تُبحَث خلال المحادثات الأفغانية ـــــ الأفغانية، خصوصاً أن وقفاً دائماً لإطلاق النار كان أحد المطالب الأربعة الرئيسة للولايات المتحدة خلال المحادثات التي بدأت في الخريف الماضي. وفي ما يتعلق بسحب القوات الأميركية، قال المسؤولون إنه كان هناك اتفاق على سحب مبدئي وجزئي لحوالى خمسة آلاف جندي، وإن معظم القوات المتبقية ستغادر خلال الأشهر الـ18 المقبلة، من دون الإتيان على ذكر إبقاء قوة أميركية صغيرة لـ«مكافحة الإرهاب»، ولا سيما أن الإدارة الأميركية لم تستبعد انسحاباً كاملا ومطلقاً.