لندن | لم يكن أحد في لندن (أو بروكسل) يتوقع أن تتمكن رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، من تمرير مشروع اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي، أمس، في تصويت مجلس العموم على تفاصيل خروج المملكة المتحدة. كان واضحاً أن كل الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد، بمن فيهم مجموعة نواب متمردين داخل حزبها الحاكم ذاته، توافقت على اعتباره دون الحد الأدنى المقبول، وإن اختلفت في تسمية الأسباب فيما بين الأطراف المؤيدة لفكرة ترك عضويّة الاتحاد وتلك المعارضة لها. وبالفعل، إن صيغة المشروع كما قدمت إلى البرلمان في أكثر من 500 صفحة تكاد تكون مأساة تامة، بكل المقاييس القانونية والديمقراطية بل والعملية، وتهدد مصالح ونفوذ واحدة من أهم دول العالم وأغناها من أجل مصالح انتخابية والتشبث بالسلطة. هذا دون النظر إلى المخاطرة التي يحملها لناحية إمكان تفكك المملكة برمتها وخسارتها إقليماً أو اثنين على الأقل من أقاليمها الخمسة لمصلحة الانفصاليين القوميين.

مع ذلك، فإن الرئيسة العتيدة التي منحها تصويت داخلي بين نواب حزبها الحاكم أجري عشية أعياد الميلاد نهاية العام الماضي الثقة للاستمرار في منصبها مع حصانة من تحديات مشاغبي الحزب حتى نهاية 2019، أصرّت رغم كل الأصوات المعارضة على تقديم مشروعها للتصويت في مجلس العموم (بعد رفضه الصريح وغير الملزم من قبل مجلس اللوردات يوم الاثنين). ناشدت النواب، على اختلاف مرجعياتهم، تقديم مصالح البلاد على الخلافات الحزبية والموافقة على صيغة اتفاقها أو المخاطرة بالخروج من الاتحاد في 29 آذار/مارس المقبل من دون اتفاق. وأكدت في الوقت عينه أن ذلك ليس له علاقة مطلقاً بمن يمسك بمفاتيح 10 دواننغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء)، رافضة بشكل حازم في حديثها إلى النواب قبل بدء التصويت فكرة الدعوة إلى انتخابات عامة أو حتى العودة إلى بروكسل من جديد لطلب تنازلات جديدة من الأوروبيين.
لكن نداءات الرئيسة العاطفية بشأن المسؤوليات التاريخية ومستقبل الأجيال الجديدة، كما تهديداتها للمجلس بأن البلاد قد تسقط في مناخ من الفوضى في حالة عدم الموافقة على مشروعها، وكذلك هجومها الحاد على جيريمي كوربن زعيم المعارضة، يبدو أنها جميعها لم تجد آذاناً مُصغية عند أغلبية النواب الذين صوتوا بأغلبية 432 صوتاً مقابل 202 ضد مشروع القرار. وهي نتيجة قياسية لحجم رفض البرلمان مشروع قرار تتقدم به حكومة في السلطة منذ تأسيسه، وتشير إلى استحالة حلّ مسألة «بريكست» في أقل من الـ 73 يوماً الباقية قبل تفعيل خروج المملكة من عضوية الاتحاد الأوروبي.

يميل معظم المراقبين إلى أن الانتخابات ستنتهي إلى تسليم كوربن السلطة


وقد سارع جيريمي كوربن، زعيم حزب العمّال المعارض، فور انتهاء التصويت، إلى تقديم طلب بالتصويت على طرح الثقة بحكومة ماي في البرلمان، وهو ما قد يحدث اليوم (الأربعاء). لكن، من دون دعم عدد من متمردي حزب المحافظين المعادين لماي لدعوة المعارضة (وهو أمر محتمل لكنه مستبعد)، فإن الرئيسة قد تنجو مرّة أخرى، لكنّها بالتأكيد تكون وحزبها الحاكم أدخلوا البلاد في نفق سياسي وقانوني واقتصادي مظلم غير معروف الأبعاد.
الأيّام القليلة القادمة ستكون حافلة بالحراك السياسي، إذ إن إسقاط الحكومة في البرلمان اليوم لا يعني بالضرورة تسليم السلطة مباشرة لكوربن، إذ يمكن حزبَ المحافظين، صاحب الأغلبية البرلمانية، ترشيح شخصية جديدة من طرفه لتولي رئاسة الوزراء ومحاولة نيل الثقة من جديد. لكن احتمالات الدعوة لانتخابات عامّة تبدو إلى اللحظة بمثابة المخرج المنطقي الوحيد أمام الجميع من الأزمة السياسية الخانقة، وتعيد الكرة، كما ينبغي في العملية الديمقراطية، إلى المواطنين الناخبين. ويميل معظم المراقبين إلى الاعتقاد بأن تلك الدعوة ستنتهي إلى تسليم كوربن مقاليد السلطة أخيراً، وبالتالي إعادة كل الأوراق إلى الطاولة، بما فيها إجراء استفتاء جديد على «بريكست» قد يلغي مفاعيل استفتاء 23 يونيو الشهير.
ويتعيّن على الحكومة الآن، إن هي حصلت على الثقة في البرلمان، تقديم خطتها البديلة خلال أيّام، وهي خطّة كانت حتى وقت التصويت سراً في قلب الرئيسة وفريقها المقرّب ولم تُعلم به أعضاء فريقها الوزاري الموسع الذين التقتهم صباحاً، خوفاً من تسرّب الأنباء عنه في ما يبدو. وانفردت صحيفة «ذي صن»، المقرّبة من أوساط اليمين البريطاني، بالادعاء أن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، قد وعدت ماي في مكالمة هاتفية بينهما بالضغط على المفوضية الأوروبية لتقديم تنازلات في بعض نقاط الاتفاق حال رفضه من البرلمان، وهو ما كان ليوسّع هامش الحركة أمام ماي لتقديم مشروع قد يؤجل على الأقل البتّ في المسألة الشائكة لموضوع الحدود بين إقليم إيرلندا الشمالية الخاضع للندن وجمهورية إيرلندا، ولا سيما أنه علم في بروكسل بأن رئيس المفوضية، جان كلود يونكر، أفرغ جدوله من النشاطات يوم الأربعاء استعداداً للقاء طارئ محتمل بماي للتداول بشأن نتيجة التصويت. إلا أنه، على رغم من ذلك، فإن مكتب الرئيسة نفى قطعيّاً حدوث تلك المكالمة، وسيتعيّن عليها الآن البقاء في لندن لمواجهة تصويت طرح الثقة.
عناد الرئيسة غير المبرر، وفشلها الذريع في إدارة ملف «بريكست»، و«الحرب الأهلية» بين سياسيي حزب المحافظين الحاكم، مع تنامي مشاعر قلق المواطنين والمقيمين ومصالح الأعمال بشأن آفاق المستقبل القريب للعلاقة بالاتحاد الأوروبي، تأتي كلّها على خلفية من أزمات اجتماعية واقتصادية عديدة سببتها سياسات تقشف فادح تبنتها حكومات المحافظين المتعاقبة في العقد الأخير، دفعت ملايين من البريطانيين إلى حد الفقر وتدني مستوى العيش اليومي وتردٍّ متزايد في كفاءة الخدمات العامة. ولا شك في أنّ من شأن هذه الهزيمة المذلّة للرئيسة، ومن ثم طرح الثقة بحكومتها، إن حصل، أن يفتح الباب من جديد للطبقة العاملة لاسترداد أنفاسها والشروع في بناء عقد اجتماعي جديد تحت حكم «العمّال» ينهي مفاعيل المرحلة النيوليبرالية التاتشرية بعد أربعين عاماً من تمكين القلّة على حساب الكثرة في خامس أغنى دولة في العالم.