بين أن تقول إسرائيل إنها فشلت في فرض «خطوطها الحمر» في سوريا، وأن تقول إن الآخرين يجدون صعوبة في منع فرض هذه الخطوط، فرق كلامي شاسع في الشكل، وإن كان المعنى الحقيقي واحداً: الفشل. في ذلك، جملة مواقف وتصريحات لكبار المسؤولين في تل أبيب، تمحورت أخيراً حول هذا المعنى، ومن بينها مقابلة، أمس، لوزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الذي تحدث عن «تقلص» حضور إيران في سوريا، نتيجة «أفعال واتصالات» إسرائيل.

في الخلفية، طوّرت إسرائيل في العامين الماضيين خطوطها الحمراء إزاء سوريا، بعد التقدير بأن لا انكسار للدولة السورية ولا تغيير في هويتها السياسية وتموضعها في محور المقاومة. تطوير هذه «الخطوط» شمل منع تمرير سلاح نوعي إلى حزب الله في لبنان من سوريا وعبرها؛ وكذلك ما بات يصطلح عليه في الآونة الأخيرة بعبارة «التمركز الإيراني»، الذي يشير إلى الشراكة العسكرية الإيرانية السورية.
صحيح أن إسرائيل تحرص دائماً على استعراض زائد للقوة في التصريحات والمواقف، لكن ليس بإمكانها دفع الحقائق وإنكارها، وفي مقدمتها، أن كل ما صدر عنها، من أفعال وأقوال خلال السنوات الثلاث الماضية، لم يؤدّ إلى نتائج مهمة في المنحيين الأكثر تحدياً للمصالح الأمنية الإسرائيلية، وإلا لما كانا ثابتين لا يتزحزحان كمطلبين دائمين ملتصقين على رأس التصريحات الإسرائيلية، ليلاً ونهاراً: منع وصول السلاح النوعي لحزب الله، ومنع «التمركز الإيراني» في سوريا.
قبل أشهر، صدر عن رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وصفٌ عُدّ تراجعاً في المعركة على إخراج إيران من سوريا، إذ قال إنها (معركة) مسار طويل، وتتطلب صبراً وإصراراً يؤديان في نهاية المطاف إلى تحقيق النتيجة. الأمر نفسه صدر قبل أيام عن عضو المجلس الوزاري المصغر، غلعاد أردان، الذي شدّد بدوره على هذا المسار الطويل، لأن «إخراج الإيرانيين لا يتحقق في معركة أسابيع أو أشهر». أمس، كرر الوزير الأكثر تعبيراً للتطرف اليميني في إسرائيل في هذه المرحلة، نفتالي بينت، عبارات دالة على الإخفاق، وإن كانت محوّرة شكلاً. ورد على لسان بينت في مقابلة إذاعية (راديو 103 العبري)، أن الجهد الإسرائيلي قائم ومتواصل لمنع «التمركز الإيراني» في سوريا، و«صحيح أنهم لم يخرجوا من هناك، لكن لا يجدون سهولة في التمركز». الأمر نفسه كرره وزير آخر، وهو يوفال شتانيتس، إذ أشار إلى أن «الإيرانيين، حتى الآن لم ينجحوا في التمركز على نحو مهم ورئيسي في سوريا».

مقابلة ليبرمان مناسبة للرد على خصومه السياسيين المتربصين به


في مقابلة ليبرمان، التي عرض فيها أوجه وأساليب مواجهة إيران وحزب الله في سوريا، أكد نجاعة فرض الخطوط الحمر أمنياً وعسكرياً، وسياسياً مع الجانبين الروسي والأميركي. إلا أن القصور في المقابلة جاء في عدم تفسير بقاء الإيرانيين في سوريا، بل وتأطير هذا الوجود باتفاقات وتفاهمات. يقول ليبرمان «عندما تنظر إلى الساحة السورية، عليك أن تعمل وفقاً لسلم أولويات. نحن في إسرائيل لا نسمح مثلاً بإقامة قواعد للاستخبارات الإيرانية، وفي كل مرة نجد شيئاً ما، نتواصل مع الجانب الروسي، وإذا حلّها الروس كان به، وإلا فنحن نعمل بأنفسنا»، وأضاف «عندما طلبنا من الروس إخراج حزب الله أو الايرانيين، قاموا بالتصرف في هذا الاتجاه»، من دون أن يوضح نتيجة هذا التصرف وكيف أن الإيرانيين وحزب الله ما زالوا في سوريا. ووردت عبارات التراجع في كلام ليبرمان، لدى حديثه عن روسيا ومصالحها المتناقضة مع إسرائيل في سوريا، إذ يقول إن «هناك تفاهمات معينة وممنوع الاستخفاف بها مع الجانب الروسي، لكن أن يتوقع أحد أن يعمل الروس وفقاً للمصلحة الإسرائيلية، فإن الإجابة هي لا. بل أكثر من ذلك، الأميركيون أنفسهم لا يعملون وفقاً للمصلحة الإسرائيلية». وفي سياق التشديد على الاقتدار، أشار ليبرمان إلى أنه «لا يمر يوم واحد من دون أن نعمل فيه؛ و(نتيجة ذلك) الإيرانيون قلّصوا حجم نشاطهم في سوريا، وحالياً لا يوجد نشاط في مجال إقامة مصانع صواريخ إيرانية، ولم يبنوا ميناءً في سوريا، ولا يملكون مطاراً جوياً هناك، رغم أنهم لم يتراجعوا ومستمرون في بلورة هذه الأفكار والخطط».
مقابلة ليبرمان تعبير ـــــ في معرض التأكيد على الاقتدار ــــــ عن التراجع الإسرائيلي في سوريا، ليس من ناحية الإصرار على تحقيق المصالح الأمنية لتل أبيب، بل على «النتيجة المثقوبة» للمعركة التي تقودها في الساحة السورية ضد أعدائها. في الوقت نفسه، المقابلة في ذاتها مناسبة للرد على خصوم ليبرمان السياسيين المتربصين به على خلفية إخفاقاته والمؤسسة الأمنية في سوريا وفي قطاع غزة، وربما هي أيضاً أحد الأسباب الدافعة اليها.