سافر كثيرٌ من أساتذة الجامعات والأطباء خارج البلاد هرباً من الحرب، وفضّل آخرون البقاء. الدكتور محمد نُبوغ العوّا واحدٌ من أبرز الباقين. «السفر خيار، لكنّ البقاء قرار» يقول العوّا الذي يواصل عمله مدرّساً جامعيّاً، وطبيباً.

«أنا طبيب، فكيف أتركُ بلادي تنزف، وأرحل عنها وهي مريضة؟!» يجيب عن سؤال «الأخبار»: «لماذا لم تسافر؟»، فيقول ابن مدينة دمشق: «الرجولة تظهر عند المحن، إذا سافرنا جميعاً، فلمن نترك هذه البلاد؟».
يمتلكُ عميدُ كلية الطب سمعةً طيبة بين طلابه ومرضاه، هو ابن عائلة عُرفت بالعلم والمعرفة، والده الدكتور الرّاحل محمد عادل العوّا، أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع، عميد سابقٌ لكلية الآداب في جامعة دمشق، وعضو سابق في مجمع اللغة العربية.
وُلد نُبوغ في شباط 1954، درس الإعدادية والثانوية في مدرسة «جودت الهاشمي» في دمشق، له ثلاث بنات درسن جميعاً في كلية الاقتصاد، رغم أنهنّ حصلن على درجات تؤهّلهنّ لدخول كليّة الطب! يقول إنهنّ «علمنَ أن مهنة الطبّ بالغة الصعوبة والمسؤولية، ففضلن التوجّه إلى منحى التجارة والاقتصاد».
يتحدّث العوّا الفرنسية والإنكليزية بطلاقة، ويعمل في عدد من مشافي دمشق حتى وقت متأخر من الليل، بالإضافة إلى متابعة عمله الأكاديمي في التدريس في كلية الطب. وجدنا صعوبة بالغة في الحصول على موعد معه. قابلناه آخر الليل، بعد نهاية مواعيد العمليات، (نحو الساعة الحادية عشرة). فوجئنا بأنه أنهى تناول «طعام الغداء» وقتذاك. حادثناه سريعاً فيما كان ينزع معطفه الأبيض ويرتدي ملابسه استعداداً للتوجّه نحو منزله بعد يوم شاق.
يقول الطبيب الدمشقي: «الإنسان يشعر بقيمته حين يعمل، فكيف إذا كان عمله تطبيب الجراح؟ (...) لا مِنّة لأحد على هذه البلاد، وأنا أتشرّف بأنني رفضتُ كلّ العروض التي جاءتني من دول الخليج وغيرها من أجل السفر والعمل هناك». ذاع صيت الدكتور العوّا بعد تكرار تجربة البث المباشر عبر صفحته على «فايسبوك»، إذ يحاور طلابه دورياً، ويسمع همومهم ومشاكلهم. يقول: «البث المباشر وسيلة دافئة للتواصل مع الجميع من دون حواجز، ولا أخشاها رغم التعليقات المسيئة أحياناً».