تُقدم معارك عفرين الأخيرة برهاناً جديداً على أنّ أيّاً من اللاعبين ليس قادراً على فرض المعادلات في الحرب السورية، أو تغييرها بمفرده. وعلى الرغم من أنّ أنقرة جاهرت منذ وقت طويل بعزمها على شنّ عدوان جديد يستهدف الأراضي السورية، فإنّ أحداً من الأطراف المؤثّرة لم يعمل جديّاً على الحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة.


وتوحي الصورة عشيّة اليوم السادس من العدوان التركي بأنّ معظم اللاعبين قد قرّروا الاكتفاء بالمتابعة في الوقت الرّاهن، فيما تبادلت أنقرة و«قوّات سوريا الديمقراطيّة» الفعل وردّ الفعل في الميدان العسكري. ولعل أبرز المؤشرات اللافتة في هذا السياق مرور جلسة مجلس الأمن الدولي حول عفرين «مرور الكرام»، فيما جرى بالتزامن تحريك ملفّ حسّاس وكفيل بخطف الضوء من «غصن الزيتون» أو تقاسمه معها على أقل تقدير وهو «الملف الكيميائي». ويقود هذا الأمر إلى تساؤل مركزي: «هل كانت الحرب على عفرين ضرورةً لتدشين مرحلة جديدة من مراحل الحرب السوريّة؟»، ومن نافلة القول إنّ «غصن الزيتون» ستشكل منعطفاً في مسار الحرب في الشمال وتترك تأثيراتٍ في الصراع على الشرق السوري، أيّاً تكن النتيجة التي ستفضي إليها المعارك في نهاية المطاف. ولا يقتصر المنعطف المتوقّع على المنحى العسكري، بل يُرجّح أن يتجاوزه إلى نظيره السياسي.


العمليّة خلقت فجوةً
مرشّحة للاتساع بين «الجهات الكردية السوريّة» وموسكو

ومن بين التفاصيل اللافتة في هذا الإطار تبرز إشارات أرسلها المتحدث باسم الرئاسة التركيّة إبراهيم قالن أخيراً، لمّح فيها إلى تحمّل إيران جزءاً من المسؤوليّة عمّا يدور في الشمال. وقال في تصريحات أدلى بها لقناة «سي إن إن» الناطقة بالتركيّة إنّ «إيران تنظر إلى مناطق نفوذ (الرئيس بشار) الأسد غربي سوريا على أنها مناطق نفوذ لها، لذلك فإن الغرب أراد استمرار وجود تنظيم «ب ي د» الإرهابي كعنصر يخلق توازناً في منطقة شرق الفرات». ولا يُستبعد أن يكون التصريح المذكور مقدّمة لتناغمٍ تركي مع واشنطن في شأن النفوذ الإيراني في سوريا، وهو مسألة يحظى التصدي لها بأولوية أميركيّة كبرى. وفي ما بدا ردّاً إيرانيّاً، انتقد مسؤول عسكري إيراني رفيع العدوان التركي على عفرين. ونقلت وكالة «إرنا» عن المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء سيد رحيم صفوي، قوله إن «النظام التركي يسير وفق استراتيجيات يرسمها الأميركيون في ما يتعلق بسياسته في سوريا».
وفي الوقت نفسه، توحي المواقف الصادرة عن «قياديين أكراد» فاعلين بأنّ العمليّة التركيّة قد خلقت فجوةً مرشّحة للاتساع بين «الجهات الكردية السوريّة» وموسكو. وتعزّزت أخيراً في أوساط الأكراد السوريين فكرةٌ مفادُها أنّ «موسكو متواطئة مع العدوان التركي»، في مقابل الاقتناع بأنّ «دمشق تعارض العدوان فعلياً، لكنّ الموقف الروسي يُقيّدها». ويُعلق «المستشار الإعلامي لوحدات حماية الشعب» ريزان حدّو بالقول إنّ «اهتمام أبناء عفرين منصرفٌ في الدرجة الأولى إلى مواقف الحكومة السوريّة». ويقول حدو لـ«الأخبار» إنّ «أبناء عفرين هم مواطنون سوريون، والطبيعي أن ينصبّ تركيزهم على موقف دمشق». يؤكد حدو اقتناعه بأنّ «لعفرين خصوصية في وجدان السوريين بمختلف انتماءاتهم، فقد احتضنت عفرين المدنيين النازحين إليها من مختلف المناطق ومن دون النظر إلى انتماءاتهم ومواقفهم. وفي الوقت نفسه رفضت أن تكون شريكاً في حصار جيرانها، وكانت جسراً للجنود السوريين المنسحبين من مطار منغ العسكري إبّان الحملة الإرهابية عليه». نسأل «المستشار الإعلامي» عمّا ينتظرونه من دمشق، فيجيب: «أن تكون ظهيراً للمقاومة التي يخوضها أبناء عفرين ضد الاحتلال التركي كما كانت ظهيراً للمقاومة اللبنانيّة ضدّ إسرائيل، فلا يوجد فرق بين محتل ومحتل، وعفرين أرض سوريّة». أما في المنحى العسكري، فلم تفضِ المعارك حتى الآن إلى تحوّل بارز في موازين القوى، ولا يُتوقّع لها أن تفعل ذلك سريعاً. وتبادلَ طرفا المعركة الغلبة البريّة في نقاط مختلفة، حقّقت فيها القوّات المُهاجمة بعض التقدّم قبل أن تتراجع بفعل عمليّات مضادّة. وتوضح مصادر ميدانيّة مواكبة لمسارات المعارك لـ«الأخبار» أنّ القوّات التركيّة اعتمدت في خلال الهجمات البريّة تكتيك «هجوم الموجات»، بحيث تُقصَف المناطق المستهدفة قصفاً مكثّفاً يُجبر المُدافعين على التّراجع، ليُتبع القصف بهجوم برّي في شكل موجات متلاحقة. ووفقاً للمصادر، فقد لوحظ أنّ «المجموعات المتقدّمة الأولى قوامُها مسلّحو المجموعات السوريّة ذات المكوّن العربي، أما الموجة الثانية فتعتمد على مقاتلي الألوية التركمانيّة، والثالثة مشاة الجيش التركي». كذلك عملت القوات التركيّة في خلال اليومين الماضيين على زيادة عدد محاور الهجمات وتوسيع نطاقها، بغية الإفادة من التفوّق العددي وتشتيت جهود القوّات المُدافِعة. وفي المقابل، يبدو أن القوّات المُدافعة قد اعتمدت حتى الآن تكتيكاً يزاوج بين الدفاع التقليدي، وكمائن حرب العصابات.
ويُفضّل مصدر كردي سوري تحدثت إليه «الأخبار» استخدام تسمية «أسلوب الحرب الثوريّة». يؤكّد المصدر أنّ «الكمائن التي نُصبَت للقوات المعتدية قد ألحقت بها خسائر موجِعة على معظم المحاور، ولا سيّما في دير سمعان». ويضيف: «هناك رد فعل جنوني تمثّل بقصف متوحّش طاول المناطق المدنيّة ومنظومات الإسعاف، وهذا شيء غير مُستغرب عن الجيش التركي». ويؤكد مصدر إغاثي في عفرين أنّ «القصف لم يتسثنِ حتى سيّارات الهلال الأحمر، وكأنها محاولة لتعويض الفشل التركي بقصف المدنيين». وبدوره يعلّق ريزان حدو على هذا الجانب بالقول إنّ «ما لا يدركه التركي أنّ هذه الوحشيّة لن تؤثّر بعزيمة سكان عفرين، الكلّ هنا واثقٌ بالانتصار في نهاية المطاف، خاصّة مع شعورهم بتخلي الجميع عنهم. نحنُ نعدُ كلّ السوريين بالانتصار، وهذا وعد حق».






قفزت منبج إلى واجهة الاهتمام الإعلامي أمس، في ظل التأكيدات التركية بأن العملية لن تستثني المنطقة التي تعد ثاني معاقل «قوات سوريا الديمقراطية» غرب الفرات. وفي وقت متأخر تناقلت وسائل إعلام معارضة أنباء عن «إخلاء قسد مقارها في مدينة منبج»، الأمر الذي نفاه الناطق باسم «المجلس العسكري لمنبج» شرفان درويش. وقال لـ«الأخبار» إن «الكلام عن إفراغ المقارّ غير صحيح، هناك حركة روتينية تتعلق بتبديل بعض المواقع وإعادة انتشار في بعضها، وهذه حركة روتينية تجري بين وقت وآخر، خاصة في ظروف الاستنفار الحربي وهذا شأن عسكري بحت». شرفان أكد أن «أنقرة لم تتوقف عن تهديد منبج، ولا نستبعد أن يحاول الجيش التركي شن عدوان ضدها ظناً منه أن منبج قد تكون أسهل في ظل التخبط الذي يعيشه في معارك عفرين». وأضاف أن «قواتنا منتشرة على طول الجبهة، وقد قمنا بتعزيزها، وهي مستعدة تماماً لصد أي عدوان. القوات التي انتصرت في الرقة ودير الزور وكوباني (عين العرب) ستنتصر أيضاً في عفرين ومنبج». درويش أشار أيضاً إلى أن «التنسيق والتعاون المستمر بيننا وبين قوات التحالف الدولي، وهي موجودة في منبج ودورياتها مستمرة»، وأظهر ثقة باستمرار التعاون بين الطرفين «لأننا حررنا منبج معاً من الإرهاب، وتعاوننا وثيق».