القاهرة | لم يكن لديّ ــ مثل أي طفل ولِد بهذه الحقبة ــ سوى شاشة التلفزيون والقنوات الحكومية. القناة الأولى، القناة الثانية، القناة الثالثة. وشأني شأن أي مواطن مصري، في هذا الوقت، تورّطت في برامج الأطفال خلال الساعات الأولى منذ استيقاظي وحتى منتصف النهار. كان برنامج «سينما الأطفال»، يتبعه «دنيا الأطفال»، ثم «عروستي»، بمثابة مقدمة ليومي الهادئ، وتمهيد لمشاهدة الفيلم العربيّ القديم، الذي يسبقه تحليل سينمائي من أحد المؤرخين الفنيين وقتذاك.


كان الفيلم القديم غالباً من بطولة كوميديان الشعب «إسماعيل يس». وكان، أيضاً، غالباً، وربما عن قصد، يضم شخصيات لمصريين من الأقاليم المختلفة، إضافة إلى العنصر «الجريجي» (اليوناني المصري)، والعنصر الشامي، فقد كان «الخواجة بيشو»، عضو فرقة ساعة لقلبك يجسد شخصية اليوناني المصري خفيف الظل، الذي يواجه المواقف بتعليقات، يعلنها بلهجة مصرية مدغدغة، والفنان «إلياس مؤدب» يجسد شخصية الشامي البريء الذي يساند بطل الفيلم في مواجهة المتاعب خلال الأحداث. ومن هنا بدأ سؤالي عمّا إذا كان هذا هو مجتمعنا الحقيقي أم إنها مفارقة درامية من وحي الخيال؟ هل بالفعل كان هذا شكل مجتمعنا المصري؟ وبالتأكيد كانت الإجابة تأتي دائماً بأنه منذ زمن كانت مصر أكثر تعدداً وانسجاماً، وكان المواطن المصري يحيا وسط ثقافات ولهجات بل وجنسيات مختلفة، تنقل عوالم عديدة وطباع متباينة إلى أحداث يومه الواحد.
كنت أتساءل دائماً: أين ذهب كل هؤلاء؟ وهل هم في طريقهم للعودة أم لا؟
لم أنتظر كثيراً حتى بدأ العدوان الأميركي على العراق. وبدأ حيّنا الهادئ يمتلئ بأخوتنا العراقيين ومتاجرهم ومطاعمهم وأطفالهم، الذين شاركونا ألعابنا وطرائفنا اليومية، فبدأ كل من يمتلك نفس أسئلتي يضيف إلى وعيه أن مجتمعنا في طريقه لاستعادة تنوّعه مجدداً، على نحو مختلف هذه المرة، ولكنه محبب للنفس، رغم الدعاية السيئة إعلامياً ومجتمعياً.
ربما، هي فِتنة جيلنا. نحن الذين كنا في صبانا، في ذلك الوقت، كنا الوحيدون الذين رأينا في ذلك التعايش أمراً محبباً وصحبة جميلة. ربما، كان بداخل كل منا وعي، أو احتياج للتعايش، وتمرد على من سبقونا وقابلوا ذهاب جيرانهم السابقين بصمت واستسلام.
ربما، أيضاً، لهذا السبب كان لجيلنا ما كان من حراك وحث للجميع على الانتفاض، انطلاقاً من قدرتنا الكبيرة على دمج الأفكار وهضمها. لقد جاءت ثورتنا المصرية بعد قيام الشعب التونسي بثورته أتذكر جيداً مشاعرنا المختلطة تجاه نجاح موجتها الأولى بهروب بن علي، تلك المشاعر التي تباينت ما بين الفرح والفخر والأمل والغيرة. وبعدها قامت ثورتنا في الخامس والعشرين من يناير. ليس ذلك الأمر بجديد، وليس قاصراً على عصرنا هذا. فللأمر بُعد تاريخيّ قد نذكر منه نموذجين لشاعرين من أهم وأبرز شعراء العاميّة المصريّة والقصيدة الوطنية الثوريّة المحرّضة، والمفارقة التي تجمعهما سوياً هي كونهما من أصول غير مصريّة. الشاعران هما فؤاد حداد ومحمود بيرم التونسي.
فؤاد سليم حدّاد المولود بقلب القاهرة، وُلد لأب لبناني وأم مصريّة هو الملقّب بـ «أبو العامّية المصريّة»، ورائد القصيدة الملحميّة في مصر، هو الذي قال...
«يا مصري يا سيّد وابوك درويش
النيل بيجري ولّا مابيجريش؟
النيل بيجري والعَجَل بيدور
والفَجر طالع بالصنايعيّة
ومصر لازم تبقى مصريّة
وكل كلمة تقولها أغنيّة
وكل أمنيّة وأمَل.. دستور»
حداد هو نفسه الذي كتب قصيدة، عبارة عن سرد لأسماء أقاليم مصر، فلحنّها الفنان النوبي أحمد منيب»، وغنّاها محمد منير... «تعالا نلضم أسامينا». ذلك الرجل الذي أبحر في الشخصية المصرية وحفظها عن ظهر قلب وكتب لها وعنها وتغنّى بكلماته تلك العديد من مطربي مصر، هو في الأصل... لبناني. أمّا محمود بيرم التونسي، والذي يخبرنا اسمه أنه ولد من عائلة تونسية، فهو الشاعر التونسي «السكندري» المصري الذي كتب لثورة 1919 في مصر وتغنّى بكلماته فنّان الشعب الشيخ سيد درويش الخالد دائماً وأبداً في وجدان المصريين بتوجّهاتهم كافة.
فمن من المصريين لا يغنّي «أهو ده اللي صار وآدي اللي كان.. مالكش حق تلوم عليّا» هل يمكن أن يتخيّل أحد أن صاحب الأبيات الآتية تونسي؟
«أنا المصري كريم العنصرين
بنيت المجد بين الإهرامين
جدودي أنشأوا العلم العجيب
ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلاف السنين
ويفنى الكون وهُمّ موجودين»
من يعلم أنه حينما قررت سلطات الاحتلال البريطاني لمصر أن تنفيه قامت بنفيه إلى موطن عائلته، تونس؟ التجربة تخلق الجو العام الذي يمكنه احتواء أي شخص وأي فئة، والوطنية المصرية والشارع المصري طيلة التاريخ لم يكُن أبداً دار غربة. إنه قِبلة العشّاق. العاشق ــ في مصر ــ لا يضل الطريق أبداً.