عندما «ستبلغ»، ستعود إلى المكان الذي وُلدت فيه. هنا فقط، في هذا المكان بالذات، ستبني عشّاً، تخرج منه سلحفاة واحدة... ستعيد ما فعلته أمها بعد 13 سنة. ستبني عشّها مكان ولادتها. هذه ليست قصة تروى. هذه هي سيرة حياة السلاحف كما يرويها غسان جرادي، رئيس لجنة «محمية جزر النخيل» في طرابلس. وهي السيرة نفسها التي سيعيدها أمام زوار المحمية في الخامس من الشهر المقبل، لمناسبة اليوم الوطني للسلاحف، والذي يحتفل به للمرة الأولى في لبنان. هذه «المرة» التي يصفها جرادي بـ«البداية الجيدة والخطوة الإيجابية وإن كانت قد أتت متأخرة»، ويرى أنها «تدخل في إطار توعية الناس إلى أهمية السلاحف في الحياة البحرية والبرية».


جرادي، المهتم بحياة الطيور البرية والمحميات الطبيعية، سيستقبل في جزر النخيل طيلة نهار كامل تلامذة مدارس وطلاب جامعات وناشطين في المجتمع المحلي لشرح طريقة عيش السلاحف «التي تقصد جزيرة النخيل حيث تتلقّح في المياه وتبيض في أعشاش على الرمال».
هنا، في المحمية، سيرى الزائرون «مرحلة التلقيح، كون السلحفاة في الجزر تبيض أوائل حزيران تقريباً، على عكس السلحفاة في البحر التي تبيض في هذا الوقت». هذا التأخير البيولوجي لن يكون في خدمة الزوار، إذ لن يروا الأعشاش، التي يقدّر عددها جرادي هذا العام بـ 36 عشاً، مستنداً لسنواتٍ طويلة سبقت. مع ذلك، ثمة حكاية جميلة ستروى عن «أثر أقدام السلاحف التي سترشدنا إلى الأعشاش». ويحلو لجرادي تشبيهها بـ«دواليب السيارات». متعة هذا الوصف تضاهيه متعة الرحلة فجراً، «نسير خلف تلك الدواليب والشمس تسير خلفنا. نتقفى الأثر مع بداية الشمس ونعدّ الأعشاش التي تكون قد بنتها السلاحف ما بين التاسعة مساء ومنتصف الليل، والتي يحوي كل واحد منها 100 بيضة». يضيف: «نتقفى الأثر صباحاً كي نعرف أين تقع تلك الأعشاش، فإذا كانت في المنطقة المحظورة نتركها كما هي، أما إذا كانت في منطقة غير محظورة، نضع العش داخل قفص كي لا تدوسه أقدام العابرين».


ثمة حكاية ستروى عن
أثر أقدام السلاحف التي سترشدنا إلى الأعشاش


اللافت في مرحلة بناء الأعشاش أن «ذكور السلاحف تلقّح فقط ولا تخرج من الماء حتى تموت، وهي تتميز بذيلها، أما الإناث فهنّ بلا ذيل، يخرجن ليلاً ويعدن إلى المياه عند الرابعة فجراً كحدٍ أقصى». وعندما يفقس البيض «تذهب الفراخ الصغار إلى المياه، تسبح ليومين متتاليين فوق سطح المياه». خلال هذه المدة «سيموت الكثير من الفراخ، منها ما تأكله الطيور البحرية أو المهاجرة ولأسباب أخرى». وثمة رواية تقول إن «واحداً بالألف من البيض ينجح، أي أن فرخاً واحداً يبقى». لكن هذه رواية «ليس لدي تأكيد حولها». ويقدّر جرادي عدد إناث السلاحف التي تبني أعشاشها في تلك الفترة بـ«12 أنثى».
بعد هذه المرحلة التي قد تطول أسابيع، تهاجر السلاحف «ليس لدينا سلاحف مقيمة هنا في المحمية، فما تفعله هنا ينتهي عندما تتلقح وتفقس البيض، وهي مرحلة تحدث كل عامين في المكان نفسه، وتعود بعدها إلى مياه البحر المتوسط والمحيطات، حيث تقوم بجولاتها».
تجدر الإشارة إلى أن جولة الخامس من أيار المقبل ستكون بالمركب تبدأ صباحاً وتنتهي مع غروب الشمس، «لأن قانون إنشاء المحمية يمنع الدخول إليها أو التجول فيها ليلاً حفاظاً على الحياة البحرية». وهو عكس ما يجري في مدينة صور، حيث تكون جولات المراكب مسائية «تمكن خلالها مشاهدة التلقيح ومكان إقامة الأعشاش».