هي حصة وجدت صدفة على جدول المنهاج المدرسي في لبنان، بدون أيّ مقدمات أو خطط مسبقة. تبدو كأنما جرى فرضها على الإدارة والطلاب معاً. يقف التلميذ بين قرارات أستاذه وحبّه للرياضة حائراً: كيف سنقضي هذه الفترة الأسبوعية؟ تميل الكفّة لصالح طابةٍ مدوّرةٍ تتدحرج على أرضية الملعب. طابةٌ واحدة فقط تختصر حصة التربية البدنية، والتي يفترض بها أن تؤسّس لجيلٍ رياضيٍّ، قد يخلق نجوماً في المستقبل. إليكم هذه العينة: داخل قاعةٍ مغلقةٍ تحت الأرض، تقضي مجموعة طالبات حصة الرياضة. لهنّ مكانهنّ الخاص، بعيداً عن فرق الشّبان وألعابهم. تُحجب الشّمس عن أجساد الطالبات. يتدرّبن في الظلّ. الفصل هنا «ديني». لا يجوز الاختلاط بين الجنسين في التدريبات البدنية، كما هو الحال في الصفوف الثانوية. بالنسبة إلى إدارة مدرسة إسلاميّة في الضاحية الجنوبية لبيروت، هذه مسألة عادية. لكنّه مرفوض بالنّسبة إلى الطالبات أنفسهنّ. قاعة الاحتفالات التي تُجبر الطالبات على قضاء ساعات الرياضة فيها، لا تشبه الملعب في أي شيء. هي ليست ملعباً أصلاً.


أرضيّة الباطون غير صالحة للركض، ما يعرّض الطالبات للإصابات الدائمة، وغالباً ما يضطررن لسحب عواميد كرة السلّة من الكواليس وتثبيتها في مكانها حتى يتسنى لهنّ اللعب. المشهد ليس لائقاً. الطالبات محاصرات ويشعرن بالحصار. هذا الوضع السيئ الذي تواجهه الفتيات في المدرسة، ينسحب أيضاً على معاملة معلّمة الرياضة لهنّ. تشكو الطّالبة نور ناصر لامبالاة المعلمة لأهمية الرياضة للإناث: «فهي لا تملك اللياقة البدنية الكافية لتدريبنا بفعل تقدّمها في السنّ، ولا تحمل إجازة في التربية البدنية، بل التحقت بالمدرسة منذ تأسيسها عام 1993وظلّت في القسم الرياضي على اعتبار أنّها باتت تملك خبرة جيّدة». الفتيات اللّواتي يفتقدن للمهارات التي يمتلكها باقي الفرق في المدارس الأخرى، لم تكن عائقاً أمامهنّ للفوز في إحدى البطولات. «فزن بالصّدفة». لا تبدو قرارت الإدارة ملائمةً للواقع إذاً. بحسب ناصر فإنّ «المعلمة تضع علامات المادّة بعشوائية، فتكون العلامة الأعلى للتلميذة التي تشارك في اللّعب أسبوعياً، أما تلك التي تبقى جالسةً جنب الحائط فستلقى حتماً الدرجة الأدنى». الاستنسابية في وضع العلامات تعود في الأساس إلى عدم تقيّد الأساتذة بالمنهاج الخاصّ بحصّة الرياضة.

للذكور فقط
يشكّل الفصل بين الذكور والإناث خلال الرياضة المدرسيّة محور سجال بين الإدارة والطلّاب. يعتبر الفصل لأسباب دينية حالة خاصّة لبعض المدارس تستمد قوتها من استفحال الثقافة الدينية في المجتمع على حساب التربية المدنية. لكن ماذا عن حالات الفصل الأخرى في المدارس المختلطة؟ تشكو الطّالبات اللواتي قابلناهنّ الصورة النمطية المؤخذة عنهنّ. تتساءل إحداهنّ: «ليش الفوتبول بس للشباب؟». تبدو محقّةً في سؤالها. يعيد مدير وحدة الأنشطة الرياضيّة والكشفيّة المدرسيّة في وزارة التربية والتعليم العالي مازن قبيسي هذا الفصل لأسبابٍ فيزيولوجيّة في بعض المراحل العمريّة، مشيراً إلى أنّ «الأستاذ يواجه خياراً إمّا لتدريب الذكور وإمّا الإناث بسبب النقص في عدد المدرّسات داخل المدارس». ويضيف: «يحاول بعض الأساتذة إيجاد ربط نزاعٍ بين الطلاب فيتم التركيز على الذكور في ألعاب معينة من جهة، وحضن الإناث من جهةٍ أخرى لتفعيل إنتاجيّة الحصّة إلى حدٍّ ما». في الواقع، تختلف طبيعة حصة الرياضة المدرسية بين القطاعين العام والخاص. حالها كحال سائر المواد الأخرى. إن وجدت الحصّة، يفتقد الأستاذ، ومعه تفتقد المؤهلات العلمية. وفي حال وجد الأستاذ، تفتقد التجهيزات والمنشآت الرياضية اللّازمة داخل المدرسة وخارجها. في عيّنة منتقاة من القطاع الخاص، بدا أن حصة الرياضة «ليست أولوية». الأمر شبه محسوم، عدا بعض المدارس التي شكّلت نموذجاً رياضيّاً جيّداً يُحتذى به. عادةً ما تلجأ إدارات المدارس الخاصّة إلى انتقاء لاعبين لتدريب طلّابها، لأنّ «لا قرار رسميّاً» يُلزم أساتذتها أن يكون بحوزتهم إجازة في التربية البدنية. غياب السّلطة الرسمية في القطاع الخاص ينعكس على نحو مباشر على أداء الطلاب، وهذا ما يَظهر بوضوح في نتائج الدورات المدرسية على صعيد لبنان. يروي الطالب أحمد رمال تجربته في إحدى المدارس الخاصّة على مشارف بيروت. يتحفّظ عن ذكر اسمها، حفاظاً على سمعتها. تسع سنواتٍ مرت على آخر بطولةٍ أحرزتها هذه المدرسة وذلك بعد تخرّج الدفعة المميزة من طلّابها. يشير رمال إلى أنّ «الإدارة لم تكن مهتمة بالشق الرياضي أبداً، ولو استطاعوا استبدال الحصة بحصةٍ تعليميةٍ أخرى لما قصّروا»، لافتاً الانتباه إلى أنّهم كانوا يتمرنون بحسب خبرتهم المتواضعة لتجهيز أنفسهم لكل مباراة لأنّ «وجود الأستاذ وعدمه ذات الشي».
كلية التربية في الجامعة اللبنانية لا تخرّج العدد الوافي من الأساتذة سنويّاً


التعاطي الهشّ مع الرياضة المدرسيّة لا يقف عند قطاعٍ واحد. المدارس الرسميّة ليست أفضل حالاً، لكنّ عملها لا يزال مراقباً إلى حدٍّ ما بخلاف المدارس الخاصّة. يفرض النظام التعليمي الرسمي على أستاذ الرياضة أن يكون صاحب اختصاص، لكنّ إقفال دار المعلمين منذ فترة حال دون تأمين العدد المطلوب من المدرّسين لتغطية كل المدارس الرسمية على الأراضي اللبنانية. أضف إلى ذلك أنّ كلية التربية في الجامعة اللبنانية باتت لا تخرّج العدد الوافي من الأساتذة سنويّاً، إلى جانب توجّه بعضهم إلى التعليم الخاص. هذا على صعيد الكادر البشري، أمّا التجيهزات الرياضيّة فتُفتقد في الكثير من المدارس أيضاً. خلال فترة الرياضة الأسبوعية، يجلس الأستاذ متلكئاً من عمله لعدم وجود المستلزمات الرياضيّة الضرورية لتدريب طلّابه. (كطابات، عارضات كرة سلة وكرة يد، طاولات كرة طاولة وغيرها..). قبيسي يؤكّد أنّ «الوزارة قدّمت عدداً من التجهيزات إلى بعض المدارس والثانويات الرسميّة خلال العام الفائت إلى جانب بناء العديد من المنشآت الرياضية في مختلف المناطق كالبقاع وطرابلس وبيروت». يبدو عمل الوحدة الرياضية أكثر جديّاً من جهاتٍ رسميةٍ أخرى تولّت مسبقاً الملف الرياضي. بحسب قبيسي، فإنّ العمل جارٍ نحو «إنشاء المدرسة الرسميّة لتدريب الطلّاب المميزين الذين يتم انتقاؤهم من كل المدارس على مدار العام الدراسي»، مشدّداً على ضرورة «إدخال مادة الرياضة المدرسية في الامتحان الرسمي ما سيشكل حافزاً أمام الطلاب لرفع مستوى التربية الرياضية لديهم». الوعود الكبيرة في لبنان بحاجة إلى وقتٍ أكبر.



مناهج قديمة
أصدر المركز التربوي للبحوث والإنماء منهاجاً خاصّاً بالتربية الرياضية أوّل مرة في لبنان في عام 1998. عدّل المنهاج مرةً واحدةً عام 2002، ولا يزال مطّبقاً إلى اليوم من دون أي تحديثاتٍ جديدةٍ تواكب التطوّر الرياضيّ في لبنان والعالم. المنهاج الذي يفترض به المساهمة في تنمية المواهب الخاصّة لدى كلّ تلميذ وصولاً إلى إشراكه في البطولات المدرسيّة، سيظلّ قابعاً في أدراج بعض المدارس، بانتظار التنفيذ.

الوحدة الرياضية
أنشئت وحدة الأنشطة الرياضيّة والكشفيّة المدرسيّة في وزارة التربية والتعليم العالي عام 2004، بهدف «النّهوض بالعمل الرّياضيّ والكشفيّ في المؤسسات التعليمية». ومن أبرز مهامها، إعداد برامج الأنشطة الرياضية والكشفية في المدارس الرسمية والخاصة، إضافةً إلى تنظيم البطولات والدورات المدرسيّة وتنفيذها بالتعاون مع المديريّات المختصّة. وقد شاركت 2524 مدرسة رسمية وخاصة في 16 بطولة متنوّعة على صعيد لبنان، في دورة الأنشطة المدرسية لعام 2016/2017.

بين الرياضة والفنون
تدرج الفنون كالمسرح والعزف والغناء وفن الخطابة تحت خانة «اللعبة» ضمن الأنشطة التربوية المدرسيّة التي تنظمّها الوحدة الرياضيّة سنويّاً. يجري الخلط بين الفنون وعددٍ من الرّياضات بالرغم من أنّهما لا يلتقيان أبداً. هل يمكن لأستاذ الرياضة البدنية أن يعلّم العزف مثلاً؟ بحسب الإحصاء الأخير، فإنّ 597 طالباً وطالبة من 50 مدرسة شاركوا في دورات الفنون المتنوعة.