منذ رحيل البرتغالي كريستيانو رونالدو عن نادي ريال مدريد، سجل المهاجم الفرنسي كريم بنزيما 44 هدفاً في 70 مباراة لمصلحة الـ«ميرينغي». المهاجم الذي لطالما انتُقد بسبب سوء معدّله التهديفي مقارنةً بمهاجمي أندية النخبة (الحديث هنا عن أصحاب الرقم 9)، سجل هدفين في قمة الجولة الخامسة من دور المجموعات في دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، ليرفع رصيده هذا الموسم إلى 14 هدفاً من 17 مباراة. غزارة تهديفية أعادت الاعتبار للنجم الفرنسي أخيراً، بعدما ضحّى طيلة المواسم السابقة لمصلحة المجموعة على حساب اسمه. نجح بنزيما بوضع حد لكل ما قيل عن أنه انتهى كروياً، كما أكد أنه يستحق اللقب الذي أعطي له في مدريد، بنزيما هو «الحكومة» في نادي فلورونتينو بيريز.

مراحل كثيرة مر بها الفرنسي. عام 2009، لمع اسم بنزيما في سماء الكرة الأوروبية كأحد أفضل مهاجمي العالم، إثر تألقه اللافت برفقة نادي ليون الفرنسي. حظي المهاجم الشاب حينها باهتمام العديد من الأندية الأوروبية الكبرى، لينتهي به المطاف في ريال مدريد مقابل 35 مليون يورو. جاء بنزيما إلى النادي الملكي، وتبعه العديد من المهاجمين للمنافسة على مركز رأس الحربة الأساسي في مدريد، غير أن بنزيما ظلّ حجراً أساسياً في حسابات أي مدرب، كما كان بشهادة العديد من لاعبي الفريق «أفضل مهاجم في العالم». آخر اللاعبين الذين صنفوا بنزيما بالأفضل هو البلجيكي إيدين هازار، النجم الذي قدم من تشيلسي الإنكليزي مطلع الصيف الماضي. قد يدرج البعض هذا التوصيف في خانة الدعم المعنوي لمهاجم الفريق لا أكثر، غير أن إجماع اللاعبين والمدربين على أهمية بنزيما، وإن لم يضعه في خانة الأفضل في العالم، سيضعه حتماً على رأس قائمة أفضل مهاجمي العالم، وذلك لاعتباراتٍ عدة.
لطالما صُنّف ريال مدريد كأحد أفضل أندية كرة القدم عبر التاريخ. الـ«ميرينغي» هو الـ«ميرينغي» لا يتغير، وقد زاد بيريز من وهجه منذ توليه زمام الأمور هناك عام 2000. مع استقدام أبرز مواهب ونجوم العالم سنوياً إلى قلعة السانتياغو بيرنابيو، حافظ ريال مدريد على وزنه في الوسط الكروي والإعلامي. «اكتظاظ» النجوم وإن عاد على الفريق بالعديد من الألقاب، فقد حال أحياناً دون خلق التوازن في المنظومة، ما انعكس سلباً على النتائج. هنا، كان لا بد من وجود لاعبين معنيين بخلق التوازن في الفريق، لاعبين مثل كريم بنزيما الذي ساهم في بروز النجوم المتوافدة توازياً مع الحفاظ على النتائج الجيدة.

بين النجوم والنتائج
عام 2014، أجرت منظمة «Aps» دراسة على قرابة 400 مباراة من تصفيات كأس العالم بين عامي 2010 و2014، تحت عنوان «تأثير زيادة الموهبة». أظهرت الإحصائيات وجود علاقة طردية (علاقة متغيرين، كلما زاد واحد يزيد الثاني بما يتناسب مع الأول) بين عدد نجوم الفريق وأداء الفريق، أي بمعنى أن الجمالية والإمتاع في اللعب سيزيدان مع وجود العديد من اللاعبين الموهوبين من الطراز الأول، غير أنه على صعيد النتائج، فإن كثرة النجوم ستخلق علاقة عكسية، بحيث يؤدي إلى زيادة التنافس بين اللاعبين سعياً للمجد الشخصي على حساب مصلحة المجموعة، ما يحول دون تحقيق النتائج المطلوبة.

بنزيما هو أكثر لاعب صنع الأهداف لكريستيانو خلال مسيرته الكروية


تدعم هذه الدراسة ربما، المقارنة بين الجيلين الذهبيين في عهد بيريز عام 2000 و2009 توالياً، وهما اللذان عرفا باسم «غالاكتيكوس». عام 2000، قام بيريز بإنشاء فريق الأحلام في ريال مدريد. بدأ الأمر باستقدام البرتغالي لويس فيغو من برشلونة، لتضم المنظومة بعدها كلاً من: الظاهرة رونالدو، زين الدين زيدان، ديفيد بيكهام والعديد من نجوم النخبة في كل المراكز. مع كثرة النجوم، كان من المفترض على ريال مدريد إحكام القبضة على الألقاب المحلية والأوروبية، غير أن حصيلة النادي الملكي من الألقاب حينها كانت متقاربة إلى حصيلة ألقاب فالنسيا وبرشلونة في الفترة ذاتها، رغم عدم وجود نجوم صف أول في الناديين مقارنةً بريال مدريد.
تغيّر الأمر مع «غالاكتيكوس 2009»، إذ استفاد بيريز من التجربة الأولى واستقدم كريستيانو رونالدو ليكون نجم الفريق الأول، مع دعمه بالعديد من المواهب للمساهمة في زيادة وهجه دون التنافس معه. سياسة عادت على الفريق بنجاحٍ أكبر من جيل الـ 2000، حيث حقق الريال مع كريستيانو الدوري الإسباني في مناسبتين إضافةً إلى 4 كؤوس دوري أبطال أوروبا والعديد من الألقاب المحلية والأوروبية خلال 5 سنوات فقط.
إذاً، كان ريال مدريد أكثر توازناً وأنجح على صعيد النتائج مع بنزيما مما كان عليه مع الظاهرة رونالدو، غير أن ذلك غير مرتبط بإمكانيات اللاعبَين، فالفرق واضح، ولكن تكمن المفارقة بمدى تأثير بنزيما على المنظومة بالدرجة الأولى مقارنةً مع تأثير الظاهرة. تحول بنزيما إلى صانع ألعاب منذ قدوم كريستيانو رونالدو. في مدريد، كتب صاروخ ماديرا أفضل سطور مسيرته الكروية بفضل معدل أهدافه الاستثنائي. أمرٌ ما كان ليتحقق في حال وجود مهاجم منافس لكريستيانو على الصعيد التهديفي. أمرٌ تدعمه إحصائية نشرتها «سكاي سبورتس» عام 2016، تبيّن أن بنزيما هو أكثر لاعب صنع الأهداف لكريستيانو خلال مسيرته الكروية.
بنزيما مهاجم من الطراز الأول، ظلمته التضحيات التي قام بها لمصلحة الفريق. الأرقام التي يسجلها اليوم هي طبيعية بفعل توظيفه في مركزه الأساسي كمهاجم صريح، وإعطائه الوظائف الطبيعية لأي مهاجم، التي تبدأ ولا تنتهي بتسجيل الأهداف. بالنظر إلى معدله التهديفي اللافت أخيراً، قد يشهد الموسم الحالي على أفضل موسم تهديفي خلال مسيرة كريم بنزيما، وقد لا يكون مستغرباً حتى منافسته على الحذاء الذهبي مع نهاية الموسم.