لا يمكن ان يكون التشاؤم حاضراً مع انطلاق بطولة لبنان لكرة السلة، اذ مهما كانت النكسات التي عرفتها اللعبة على المستوى الخارجي، ومهما كانت الصعوبات التي عرفتها الاندية على المستويات المختلفة، تبقى اللعبة قادرة على جذب الانظار ببطولتها التي لا تزال الافضل في المنطقة.

محطات صعود وهبوط عرفتها اللعبة وبطولة لبنان في المواسم القريبة الماضية، لكن الحقيقة ان السلبيات لم تؤثر كثيراً على الاهتمام العام بالدوري، الذي شهد منافسة قوية في الموسم الماضي بمفاجآته غير المتوقعة وبتبدل موازين القوى بين مرحلة واخرى. وطبعاً كثيرة هي الامور التي تبدّلت قبل انطلاق الموسم الجديد، الذي بدأ عملياً مع انتهاء الموسم الماضي عندما نشطت الاندية سريعاً في سوق الانتقالات الذي بقي الحديث عنه حاضراً حتى الايام الاخيرة.
نشاطٌ مثير للاهتمام ولافت، وخصوصاً ان الاوضاع المالية لغالبية الاندية باتت معروفة، اضافةً الى الوضع العام للبلاد، حيث لا شك بأن الصعوبات المالية ترخي بظلالها على الساحة السلوية، التي كانت قد بدأت اصلاً غالبية انديتها البحث عن مصادر تمويل جديدة واستراتيجيات في التعاقدات لتوفير مبالغ وجدت انها غير ضرورية. وكل هذا ترافق ايضاً مع التقشف السياسي الذي بدأ منذ حوالى 5 سنوات تجاه كرة السلة، طبعاً مع بعض الاستثناءات في ما خصّ اندية معيّنة، ولو ان الدعم المالي السياسي لم يعد على شاكلة تلك الايام الخوالي التي عاشت فيها الاندية على غيمة الدعم المباشر للسياسيين الساعين الى كسب رواد المدرجات.
اذاً، على الصعيد المالي، تبدو الاوضاع مقبولة، ولو ان المعلومات تشير الى ان هناك اندية لن تدفع بشكلٍ فوري المبالغ المتفّق عليها مع لاعبيها ومدربيها بل ستختار توقيتاً معيّناً لصرف المستحقات، وهو ما تفرضه الحسابات الفنية ايضاً خلال مجريات البطولة، وخصوصاً عند الذهاب الى تبديل الاجانب ورفع الميزانية لاستقدام افضل الممكن.

لم تعد الأندية تعيش على غيمة الدعم المباشر للسياسيين الساعين الى كسب رواد المدرجات


وبين جدولة الدفعات والتأخر في دفعها احياناً (دون حجبها)، هناك اندية عرفت ايجاد التوازن على هذا الصعيد، امثال هوبس الذي شكّل فريقاً جيّداً بحسب ما ظهر في دورة حسام الدين الحريري الاخيرة، وذلك بفضل الخطوات المحسوبة بدقّة. كما يمكن القول ان هناك اندية اصبحت متمكّنة مالياً، وعلى رأسها الشانفيل الذي جمع نجوماً كثراً سعياً لاحراز اللقب. كذلك، ورغم الديون التي كانت مترتبة عليه، تبدو الامور مستقرّة في الحكمة بفعل العمل الدؤوب للادارة الجديدة التي تعمل على جذب ممولين لتدعيم أسس الفريق للمواسم المقبلة. وينسحب هذا الامر على بيروت وصيف الموسم الماضي، الذي اكد عبر التعاقد مع اربعة رعاة كبار؛ بينهم شركة معروفة للطيران، وأحد المصارف الاساسية في البلاد، ان المستثمرين والمعلنين لم يفقدوا الثقة باللعبة لا بل انها تبقى حاضرة في ساحة التسويق رغم انخفاض مستوى وهجها لأسباب قد ترتبط بالدرجة الاولى بانكفائها اعلامياً.
وبالحديث عن الجانب الفني، لا بدّ من توقّع بطولة جيّدة، اذ لن يكون كل شيء متمحوراً حول الرياضي والشانفيل وبيروت اي فرق الطليعة بحسب ما تشير الترشيحات، اذ ان عودة الحكمة بشكلٍ افضل مثلاً ستضفي رونقاً خاصاً على الدوري فنياً وجماهيرياً، فالقراءة الفنية لفريق «القلعة الخضراء» تترك انطباعاً جيداً عن مجموعة تخلط بين اصحاب الخبرة والشبان.
كذلك، هناك هوبس المتطوّر، والذي يمكنه المضي قدماً نحو الادوار المتقدّمة بحسب ما سيقدّم من اجانب على ارض الملعب، وهي المسألة التي يعوّل عليها فريق مثل انيبال زحلة مثلاً، والذي ضمّ اسماً اجنبياً مميزاً هو الاميركي رامون غالواي. وهذه النقطة تأخذنا الى مسألة اخرى تبدو لافتة في فرقٍ كثيرة، وهي الاعتماد على الاجنبي «الثقيل» لرفع مستوى الفريق، فكانت ذكية مثلاً خطوة الحكمة بضم الاميركي والتر هودج الذي بدا اللاعب الاجنبي الافضل في الموسمين الاخيرين.
وفي قراءة للاسماء الاجنبية تبدو الاسماء الموجودة حالياً افضل من تلك التي اطلّت في الموسم الماضي، وذلك رغم انه لا يمكن مقارنتها بتلك التي عرفتها البطولة في فترة ذهبية امتدت من عام 2012 حتى عام 2014، حيث وصل مستوى الاجانب الى اعلى مرتباته. وهنا لا يمكن القول ان المشاكل المالية التي مرّت بها الاندية هي الاساس لعدم جذب افضل الاجانب الى لبنان، بل ان اصحاب المستوى العالي باتوا يفضّلون في هذه الايام الذهاب الى كوريا الجنوبية واليابان، والصين كالعادة، وذلك في ظل الاستقرار الذي تعيشه هذه البلدان على مختلف الصعد، لا كرة السلة فقط. أضف ان البطولات الاوروبية باتت تستقبل بشكلٍ اكبر اللاعبين الاميركيين الذين لم يجدوا مكاناً لهم في البطولات المتقدّمة في بلاد «العم سام»، وهم اصلاً يجدون في اميركا الجنوبية ايضاً وجهة مقبولة ومثيرة للحماسة.


وبطبيعة الحال، بقي الجدال حول عدد الاجانب حاضراً في الشارع السلوي قبل انطلاق الموسم الجديد الذي سيبقى فيه الوضع على حاله باعتماد اجنبيين على ارض الملعب وآخر احتياطي. وهذا الاخير لا بدّ ان يعطي اضافةً كبيرة مع اشراكه، ولو ان غالبية الاندية تعمد الى استقدام اجنبي اقل مستوى من نظيريه الاساسيين. المهم ان الانقسام حول قاعدة الاجانب الثلاثة والـ «2+1» بقي موجوداً، فكانت هناك مساعٍ من فئة معيّنة للعودة الى القاعدة الاولى، والتي بدت مرفوضة بالنسبة الى اندية: الرياضي، بيروت، الشانفيل، والحكمة، في وقتٍ رأت فيه اندية اخرى خشبة خلاص لتضييق الهوة مع فرق المقدّمة، وخصوصاً بطل لبنان الذي يضم العناصر المحلية الابرز.
واستناداً الى كل ما سبق، يمكن ان يشكّل هذا الجو الفني العام فرصةً لأسماء محلية لكي تقدّم نفسها بشكلٍ قوي، وتحديداً اسماء شابة منتظرة مثل ثلاثي: هوبس غابريال صليبي، علي منصور وكريم زينون مع هوبس، والاسم المنتظر في الشانفيل بشكلٍ اكبر من الموسم الماضي حيث كانت مشاركته المتأخرة محدودة اي كريم عز الدين.
ويبقى ان البطولة بنكهتها اللبنانية الحديثة تبدو منفعتها اكبر لكرة السلة على المستوى الوطني، إن كان بالنسبة الى المنتخب او بالنسبة الى الاندية المنافسة في البطولات الآسيوية والعربية حيث لا يزال اللاعب المحلي اساس الفريق في موازاة الاعتماد على اجنبيين اثنين منذ زمنٍ بعيد.