بعد ساعات من الاعتقال التعسّفي والضرب المبرّح والمصير المجهول والحرمان من التواصل مع ذويه أو محامٍ، خرج خلدون جابر من فصيلة درك رأس بيروت (مخفر حبيش) محمولاً على الأكتاف. الناشط اعتُقل في ظروف ملتبسة نحو التاسعة مساء أول من أمس، خلال الاعتصام على طريق القصر الجمهوري في بعبدا، وخرج بعد ظهر أمس من مخفر حبيش. لماذا حبيش؟ لأنّ الأجهزة الأمنيّة أرادت إيجاد «تخريجة» تحفظ بها ماء وجهها بعدما اعتقلت جابر تحت الضرب وعرّضته للتعذيب والترهيب، ووجدت أن إطلاق سراحه من المخفر هو الحلّ الأنسب تحت ذريعة أن بحقّه «ضبط سير!». لم يكن بيد الأجهزة الأمنيّة إخراجه مثلاً، من مركز قيادة الشرطة العسكريّة في الريحانيّة علماً بأنها الجهاز الذي اعتقله. كما لم يكن باستطاعتها إخراجه من وزارة الدفاع التي خضع فيها جابر للتحقيق، واسم الوزارة كافٍ لمعرفة أساليب التحقيق التي استخدمت معه. وبحسب شهود عيان ممن كانوا يشاركون في تظاهرة بعبدا، فإن «نحو عشرة مدنيّين كانوا بيننا، حاوطوا خلدون وقاموا بسحبه إلى جهة الأسلاك الشائكة، حيث أحاط به عدد كبير من العناصر الأمنيين وقاموا بضربه وسحله واقتياده إلى ناحية بعبدا. ولم نعرف من بعدها شيئاً عنه».

آثار الضرب والكدمات ظهرت على وجه جابر وظهره بعد إطلاق سراحه، وهو ما أكّده المحامي نائل قائدبيه لـ«الأخبار» لافتاً إلى أن «طبيباً شرعياً عاين جابر بعد خروجه من الاعتقال وأعدّ تقريراً عن وضعه، وننتظر قراره الشخصي في الادعاء ضدّ الأجهزة التي تعرّضت له». ساعات ورفاق خلدون كانوا يحاولون معرفة مصيره، ولدى أي جهاز يقبع، وفي أي ثكنة أو مخفر أو وزارة يتمّ التحقيق معه، وهؤلاء كانوا قد انتظروا في بعبدا حتى فجر الخميس، ونظّموا أمس وقفة تضامنيّة لمعرفة مصيره أمام قصر عدل بيروت. ساعات من البحث بمعاونة لجنة المحامين المتطوّعين للدفاع عن المتظاهرين لم توصلهم إلى جواب حتى ظهر أمس، حين خرج المحامون ليقولوا من أمام قصر العدل، «إن المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات أبلغهم بصدور قرار من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بترك جابر خلال ساعتين، من دون معرفة أي تفاصيل عن مكان إطلاق سراحه». هذا ما نقله عويدات إلى المحامين. قيل لهم أيضاً إنها «قصة وقت وإجراء إداري»، في حين أن عبارة «ترك» وحدها تعني أن لا ملف بحقّ خلدون وإلا لكانت استبدلت بـ«إخلاء سبيل». وبحسب قائدبيه، فإن «لجنة المحامين تواصلت مع مختلف الأجهزة، ومن ضمنها الشرطة العسكرية التي نفت وجوده لديها، ولم نتمكّن طوال مدّة اعتقاله من الحصول على تطمينات بشأن وضعه الصحي، وخاصة أنّه تعرّض للضرب كما نقل من كانوا معه في التظاهرة». عدم تجاوب الأجهزة مع المحامين لدى السؤال عن اسم موقوف لديها يستنكره قائدبيه، مطالباً «النيابات العامة بإصدار تعاميم على القوى الأمنية بضرورة التعاون مع المحامين».

حُرِم جابر من كل الحقوق المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات


حرمان جابر من مقابلة محامٍ يعيّنه بتصريح من دون الحاجة إلى تنظيم وكالة، حرمانه من التواصل مع أي من أفراد عائلته، حرمانه من طلب تعيين طبيب شرعي لمعاينته... كلّها مخالفات موصوفة للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة. وقبل ذلك كلّه، فإن حقّه بالمعاملة كإنسان ومتظاهر سلمي لم يتمّ احترامه، فيما كانت التهمة الوحيدة التي افترض رفاقه أنها أدّت إلى اعتقاله «إطلاقه الهتافات عبر مكبّر الصوت من مكان الاعتصام على طريق بعبدا ومطالبته برحيل رئيس الجمهوريّة الذي لم يسمع صوت الناس، وكذلك هتافه ضدّ العقيد جان غنظوس (رئيس فرع مخابرات بعبدا في الجيش) استنكاراً لاستفزاز الأخير للمتظاهرين». غير أن الترهيب المخالف لأبسط حقوق الإنسان، والأسئلة التي تلقّاها جابر خلال التحقيق معه بشأن تمويل الانتفاضة الشعبيّة ومن يحرّض على رئيس الجمهوريّة وسواها، ردّ عليها بأول بوست له عبر صفحته على فايسبوك بعد إطلاق سراحه، مدوّناً «مش رح خاف من الدولة البوليسية... راجعين عالساحات».