لأنّ الطرقات هي مُلكٌ عامّ، «نحنا باقيين بأملاكنا لنحقّق مطالبنا. وإذا قدرت عليكم القوى الأمنية، فنحنا مِحور الزوق ناطرينكم هونيك». كان ذلك شاباً وصل من زوق مصبح إلى أوتوستراد غزير في كسروان، ليشدّ عزيمة المعتصمين، قبل أن يعود إلى «محوره». الأسود الذي يُغطّي جسده ووجهه، يُخبر قصة شابّ لم يترك الشارع منذ يومين، أسوةً بلبنانيين آخرين، لا يريدون للنار أن تخمد. ليس المقصود فقط نار الإطارات المُشتعلة، والتي قطعت أمس أوتوستراد غزير (أوتوستراد بيروت - طرابلس) عن ذوق مصبح جنوباً والصفرا شمالاً، بل حماستهم وهمّتهم وصرختهم لانتزاع حقّهم من سلطةٍ «عرّتهم». فكلّ الحلول لإنهاء أزمة اقتصادية تسبّب بها أركان الدولة، تدور حول تدفيع المواطنين المزيد من الضرائب وانتزاع مكتسباتهم منهم، مقابل ارتفاع خدمة الدين العام وحماية ثروات الطبقة الحاكمة (بشقيها المالي والسياسي). أمام حالة الاختناق التي فُرضت على الناس، هل يبقى ما يستحقّ أن يقيموا من أجله حساباً؟

هي شرارة أرادوا القبض عليها، لتحقيق خرقٍ يطمحون أن يكون عظيماً: «الشعب يريد إسقاط النظام». شعارٌ عامّ ردّده كُثر أمس، من دون تحديد مقصدهم من «النظام». البعض يعتبر أنّ كلمة النظام تعني مجلس الوزراء، فنصبَ خيمةً على الطريق السريع، واعداً بعدم إزالتها إلا بعد إسقاط الحكومة. أما البعض الآخر، كرالف ابن الـ21 سنة، فكلامه موجّه: «وضع خطة تسمح بتحسين أوضاع معيشتنا وتُحقّق مشاريع فعلية». ولكنّ الخطوة الأساسية قبل البدء بذلك، «هي تغيير النظام الاقتصادي، وإقالة كلّ من نهب أموالنا وجوّعنا». في السنوات السابقة، تمكّنت السلطة الحاكمة من حرف أنظار اللبنانيين عن مكمن الخطر الحقيقي، واستفادت من توجيه نقمتهم تجاه قضايا «ثانوية» وأقلّ خطورةً من الضرر الذي يُسبّبه النظام الاقتصادي القائم. لذلك، إنّ إعادة تشكيل وعي الجماهير باتجاه «العدّو» الفعلي لحقوقهم ووجودهم، محطة أساسية في المواجهة الحالية. يتحدّث رالف عن تركّز الأموال «بيد 1٪ تتحكّم بثروات أكثر من نصف الشعب، وعدم وجود نظام ضريبي عادل»، ليخلص إلى أنّه يجب «محاكمة الفاسدين لنسترد أموال الدولة، قبل أن ينتزعوا ما تبقّى في جيوبنا، وفي جيب أبي الذي يعمل ليل نهار ليؤمّن لي قسط جامعتي. حين سأتخرّج، أين سأجد وظيفة؟ من سيؤمّن لي البنزين والغذاء والدواء؟ لذلك الحلّ ليس بإسقاط الحكومة، بل بتغيير العقلية». لم يسبق لرالف أن شارك في تظاهرات أو اعتصامات، «نزلت لأن حسّيت في نبض حقيقي».
عدوى (حميدة) أصابت الساكنين في غزير والبلدات المحيطة لها، لينتشروا في الشارع، تماماً كما قُطعت الطرقات البحرية والسريعة في زوق مصبح وساحل جونية وأدما والصفرا والعقيبة ونهر ابراهيم وجبيل وعمشيت… أغضبتهم الأخبار عن نيّة الحكومة فرض ضرائب جديدة، واستفزّهم مشهد التظاهرات في وسط العاصمة، حتى تكون لهم أيضاً مشاركتهم في «معركة استعادة الحقوق». بدأت القصّة، في غزير، من محادثة على تطبيق «واتسآب» بين عشرة شبّان، قبل أن ينضم إليهم مراهقون وطلاب جامعات وأهالٍ ورجال أعمال ومتقاعدون… يُخبر أحد الذين بدأوا بالحراك كيف «خَدَع» أصدقاءه عندما قال لهم بأنّ الطريق أُقفلت أمام الملعب البلدي في جونية، «لأحثهم على النزول». أتوا بشاحنة مليئة بالإطارات، «وما زلنا منذ التاسعة ليل الأحد في الشارع، ولن نخرج قبل إسقاط الحكومة». يقول الرجل إنّه ينتمي إلى القوات اللبنانية، «ولكنّ التحرّك غير مُسيّس. كلّ الأعلام هنا للبنان». لماذا التحرّك؟ «اكتفينا من دفع الأموال، عيشناهم كتير قبل، صار وقت هنّي يدفعوا كرمالنا. ما رح ندفع لا ميكانيك ولا ضبط ولا شي، هالـ100 ألف يللي بدّن ياخدوها ولادنا أحقّ فيها». أيضاً، هي المرّة الأولى «التي أدعو فيها لتظاهرة، لأنّ المطالب مسّتنا جميعاً». قليلة كانت أعداد العناصر الأمنية الموجودة. لحظات ويمرّ موكب لمغاوير البحر في الجيش اللبناني، «يعطيكم العافية»، توجّه أحد العناصر للناس.

البعض نصبَ خيمةً واعداً بعدم إزالتها إلا بعد إسقاط الحكومة


هتف المعتصمون ضدّ «14 و8… عملو البلد دكّانة»، وكان الاتجاه لأن تكون الصرخة الاعتراضية شاملة، فـ«كلّن قرطة حرامية». ولكن وُجد من يهتف ضدّ العهد والوزير جبران باسيل، مُطالبين إياه بالرحيل. للأخير مُناصرون في الشارع أيضاً. «أنا عونية، مع ميشال عون وجبران باسيل، ونازلة مع حالي وحقوقي مش ضدّن»، تقول شابة. إلى جانبها رجلٌ، يُخالفها التوجه السياسي، ولا يريد إسقاط الحكومة «فليس هذا الحلّ». غالباً ما يُشارك في التحركات الشعبية، هو المُتألّم من «عدم وجود ضمان صحي ونظام تقاعد مُنصف. اسألي مصاري الضمان من سرقها وأصبح اليوم في الحكومة؟».
الغلبة في غزير كانت للجيل الجديد، طلّاب الجامعات تحديداً. رقصوا، عزفوا على الطبلة، ورفضوا العودة إلى بيوتهم. تقول إحداهنّ إنها «بتعلّم بالجامعة اللبنانية، وهونيك كارثة تانية، ورغم انو بعدني باخد مصروفي من بيّي بس حاسة خلص عم نختنق. كتير هيك وقاحة الدولة بالضرائب». أما رومي، فتستغرب سؤالها عن سبب مشاركتها في الاعتصام، «ما في شغل، البحر ملوث، القدرة الاستهلاكية عم تنخفض كتير، كل شي غالي». وتوضح فتاة في الـ19 من عمرها أنّ «قصة الواتسآب كانت حبّة الكرز على قالب الحلوى (تقولها بالفرنسية)، ولكن الأساس أنّنا لا نملك شيئاً». ما المطلوب؟ بحسب فادي، «حكومة اختصاصيين، لأنّ السلطة الحالية فاسدة وفاشلة. معقول أنّ ٧ أشخاص لديهم ثروات بمليارات الدولارات ولم يتمّ إيقاف أي منهم لاستعادة الأموال؟».