يُعارِض شريف خيري وجود سفارة إسرائيليّة في مبنى سكنه، وإن بطريقة سلميّة، فيُصبح رمزاً وطنيّاً في بلاده. تُرفَع صوره في الساحات. يَقف أحدهم، داخل قاعة المحكمة، هاتفاً: «شريف خيري رمز الصمود». لحظات ويُعلِن «البطل» أمام القاضي، بعد ضغوط تعرَض لها، تراجعه عن الشكوى. في الحال، يقف ذاك «الأحدهم» هاتفاً، بالصوت نفسه، بالنبرة نفسها وبالحماسة نفسها: «شريف خيري الخاين العميل». معكوسة أتت، هذه المرّة، قضيّة زياد عيتاني في لبنان، إنّما تظلّ شخصيّة خيري تُستَلهم هنا كما أدّاها عادل إمام في فيلمه «السفارة في العمارة».


هناك مَن يُمارس «التطهّر» الذاتي برجم الآخرين، الآن، بعدما كان قد ارتكب وإيّاهم «جرم» التصديق. آلية نفسيّة دفاعيّة معروفة. هناك مَن هاجم المصدّقين سابقاً، وظلّ يُهاجمهم، وحجّته أنّ «القضاء لم يقل كلمته بعد». مِن هؤلاء خرج، على مدى الأيّام الثلاثة الماضية، مَن «يُبهدل» الآخرين على طريقة: «ألم أقل لكم؟». يقول هذا، الآن، رغم أنّ «القضاء لم يقل كلمته بعد». الحكاية نفسها. الخطأ نفسه. ليست المسألة، غالباً، سوى أهواء نفسيّة، ذاتيّة محض، رغبات شخصيّة، أمنيات تتدثّر بالقانون والأصول. تكفي تغريدة مِن وزير، وهو ليس صاحب الاختصاص هنا، للتصديق بالبراءة بعدما كان جرماً، عند هؤلاء أنفسهم، أن يُصدّق أحدهم أجهزة أمنيّة تابعة للسلطة. تلك السلطة نفسها التي يُعدّ ذاك الوزير جزءاً مِنها! كرنفال مِن الهراء يسير بنا. هناك مِن بين الإعلاميين مَن يجلد ناشري التسريبات في الأيّام الأولى، المأخوذة مِن الجهاز الأمني نفسه، في حين كانوا يتمنون، يوم النشر، أن يكونوا هم الناشرين. بعضهم ربّما هنّأ وأشاد وبارك للناشر آنذاك. الآن يُمارس الجلد. غِلّ أبناء «الكار» معروف أيضاً. هناك مَن انتقد في القانون المحض، وفق الأصول المحض، وفق النصوص القائمة، وهم أهلها وناسها... هؤلاء وحدهم يُمكن أن تُحمَل ملاحظاتهم على محل الجد. أن تُناقش. أن يُبحث معهم إن كان النص هو «الإله» الأوحد، الذي يُعبد، أم أن الواقع هو مَن يفرض شكل العبادة، وبالتالي يُضطر «الإله» إلى تنقيح تشريعاته. هناك مَن صفّق لتسربات أمنيّة سابقة، صادف أنها تُناسب هواه، ثمّ، فجأة، قرر الآن أن يُكافح مبدأ التسريبات (المبدأ... قال) لا مجرّد تسريبة مِن هنا أو هناك، بينما ليس صعباً ملاحظة مبعث تهريج كامن في خلفيّته الطائفيّة أو الحزبيّة أو المناطقيّة أو الوظيفيّة (منفعة ذاتيّة بالعموم). ذلك الصنف «الخاصّ» جداً، في الواقع، الذي لا يكفّ، في التنظير، عن التلطّي خلف «العام». هناك مَن يقضي عمره يُردد عبارة: «ليس لدينا دولة»... ثم تحصل فضيحة أمنيّة، بحقّ موقوف، فيخرج مصدوماً على طريقة: «يا إلهي، ليس لدينا دولة». علينا أن نتعايش مع كلّ ذلك. هناك مَن اهتم بأمر الموقوف، هذه المرّة، لأنّه صاحب شهرة ما، فيما هو نفسه قرأ سابقاً ربّما مئات المرّات عن «مظاليم» في السجون، وبقضايا مماثلة بل هي أوضح، ومع ذلك لم تثر لديه ثائرة الحقوق أو نزعة الدولة إيّاها. الآن فرصة للسير مع الجموع الهاتفة. هذه فرصة مريحة. هذا صنف معروف أيضاً ومتوفّر بكثرة. سيبقى شريف خيري «رمز الصمود». سيبقى أيضاً «الخاين العميل». سيبقى «السفارة في العمارة والسفير في الأسنسير». منذ زمن بعيد، يُقال إنّ الدولة في لبنان تتفسّخ. هناك دائماً مَن يُنذِر بالانهيار القريب. ثم ما الذي يحصل؟ لا شيء. تظلّ الدولة تتفسّخ. يحدث أن يتّسع الفسخ أحياناً. هكذا فقط. لا موت ولا قيامة. إنّه التفسّخ الأبدي.