لا جدال في أن التهدئة في قطاع غزة، المبنية على تراجع إسرائيلي، هي انتصار للفصائل الفلسطينية، وفي المقدمة حركة «حماس». انتصار واضح، يبدو أنه يتجه إلى التبلور الفعلي والترسيخ عبر اتفاق طويل الأمد، ما لم تعترض التفاصيل تبلوره في خواتيمه.

لا يلغي من مفاعيل الاتفاق ودلالاته إصرار إسرائيل على «التشاطر» ومحاولة التأكيد أنها تفاوض وتتفق مع الجانب المصري والأممي لتخفيف تداعيات اتفاق تشهد بنوده على التزامات أجبرت عليها أمام فصائل غزة، وذلك بعد معاندة وإصرار سابقين، على شروط استسلام الفصائل.
في المحصلة، الاتفاق الذي لم يُعلَن رسمياً بعد، وإن كانت التسريبات والتعليقات تؤكده، يكشف تموضع أطرافه الفعلي، مهما كانت صورة حراك ومحاولة تموضع هذه الأطراف كوسطاء أو جهات محايدة. وهو اتفاق يتبلور من ناحية فعلية بين «حماس» والفصائل الأخرى المقاومة في غزة، وبين محور من الجهات التي فشلت في إخضاع غزة: الاحتلال نفسه، والجانب المصري، والسلطة الفلسطينية، من دون إغفال الأميركيين.
في الاتفاق المتبلور تراجع إسرائيلي غير خافٍ، وهو تراجع يشهد على فشل مشترك بين أطراف الجهة المقابلة، وإن كانت إسرائيل في الواجهة: يبدأ ذلك من التراجع عن شرط نزع سلاح الفصائل لفكّ الحصار، ولا ينتهي بإطلاق سراح الأسرى والجثث من الإسرائيليين، وما بينهما الشرط المرتبط بإعادة سلطة أبو مازن إلى قطاع غزة، الذي إن عاد، فليس كجهة تسلط مُلغية لحركات المقاومة.
وقيل في إسرائيل الكثير عن الاتفاق المتبلور مع تجاذبات حوله، وما زال. لكن الواضح أن إرادة الامتناع عن المواجهة والتسبب فيها لتعذر إمكان تحقق نتائجها، مع إصرار الموقف الفلسطيني وثباته، أدّيا إلى انتصار الإرادة الغزية على الاحتلال، وأيضاً الانتصار على شركاء الاحتلال في حصار غزة ومحاولة إخضاعها.
وفي الانتصار المتجه إلى التحقق، تجب الإشارة إلى نقطتين اثنتين، قد يكون من المجحف التغافل عنهما: أولاً، ثبت من جديد، رغم ظروف الحصار والضغوط على غزة، التي شارك في فرضها وتنفيذها القريب أكثر من العدو، أن منطق المقاومة ورفض الاحتلال ومقاومته ومواجهته هو الخيار الأجدى والأكثر قدرة على تحصيل الحقوق في وجه الاحتلال، مقابل ثبوت قصور منطق التفاوض عن تحقيق، وإن اليسير، بعد أن تحول هذا الخيار إلى مطية وتغطية الاحتلال وترسيخه واستدامته.

هو ليس اتفاقاً كاملاً لفكّ الحصار، لكنه ليس مجرد تسهيلات


في هذه النقطة تحديداً، يُشهد لحركة «حماس»، وأكثر تخصيصاً للجناح العسكري فيها، أنها أكدت حضورها وتأثيرها، عبر إنجاز اعتراف إقليمي بها كشريك في تفاهمات إقليمية، والأهم من ذلك أن هذه المكانة والدور جاءا بأسلوب المقاومة المسلحة. ثانياً تعليل تراجع الإسرائيلي وربطه بأنه لا يحبذ الخيارات العسكرية هو تعليل مضلل، فالخيار العسكري متعذر، وليس أنه غير محبذ، وتعذره مبني على أنه مكلف وعلى إرادة الصمود الفلسطيني والقدرة على الإيذاء، وإن كان بشكل غير تناسبي، لأنه إذا لم يكن لدى الفصائل الاقتدار على المقاومة ودون إمكانية تدفيع الإسرائيلي أثمان خياراته العسكرية، لكان لجأ إليها بلا تردد.
في الأسباب الموجبة للتراجع الإسرائيلي أيضاً حضور كبير للتهديد في الساحة السورية وتناميه، حيث تهديد الدولة السورية نفسها وحليفيها إيران وحزب الله. تهديد يوجب على صانع القرار في تل أبيب التركيز عليه وعدم الانشغال عنه، بما يشمل الامتناع عن التسبب في مواجهة مع غزة، وتفضيل التسوية معها والتفاهمات الكفيلة بالتهدئة.
التعليل صحيح، ولا جدال حوله، وإن جرى العمل على الترويج له وتداوله ضمن مفاهيم مغلوطة. ولو كانت غزة محلاً للإلهاء والإزعاج وحسب، أي إن المواجهة معها بلا أثمان وبلا تكلفة وأخطار، لكان الاحتلال بادر إليها دون تردد، بل إن حرباً بلا أثمان أو أثمان معقولة قد تكون مطلوبة وضرورية في سياق مواجهة التهديد في الساحة السورية.
في ذلك، الحرب على غزة - على فرضية التكلفة المتواضعة المفترضة نظرياً - قد تساهم في تعظيم مستوى الردع الإسرائيلي شمالاً، وفي كبح ردود أعداء تل أبيب في الساحة السورية، ما يدفع الاحتلال إلى مزيد من الجرأة على مبادرات اعتدائية، مع مساحة ومدى أكبر من الآن.
على ذلك، التشديد على أن الاحتلال مشغول و«يحبذ» التركيز على التهديد الشمالي دليل على اقتدار فصائل غزة وفعاليتها، وهو حديث يأتي في معرض التثمين، لا معرض التخفيف من القدرة والتأثير.
حول الاتفاق وما رشح عنه، يشار إلى أن الالتزامات الإسرائيلية قد لا تسمح بالقول إنه اتفاق لفك الحصار عن غزة، لكنه قريب من ذلك، وهو بالتأكيد ليس مجرد تسهيلات. ووفق ما رشح، تفتح إسرائيل معبر كرم أبو سالم بصورة شبه كاملة لإدخال البضائع في المرحلة الأولى، مع زيادة إمدادات الوقود إلى غزة لتشغيل الطاقة الكهربائية وتحسينها فيها، وكذلك توسيع رقعة الصيد البحري قبالة غزة، مع العمل على حل مشكلة رواتب موظفي غزة. وفي حال استمرار التهدئة، وهو الالتزام الملقى على «حماس»، يُصار إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والكهرباء وغيرها من الأمور الرئيسية للقطاع، وعامة العودة إلى الحد الأقصى من تفاهمات ما بعد عدوان عام ٢٠١٤، الأمر الذي رفضه الاحتلال لسنوات، وكذلك مصر والسلطة الفلسطينية.



ست نقاط رئيسية في الاتفاق... ولكن
التسريبات كما وردت أمس حول الاتفاق المتبلور بين محور الاحتلال و«حماس» والفصائل الأخرى تشير إلى ست نقاط رئيسية تطبَّق تباعاً بموجب التزامات متبادلة. وهي كما وردت في صحيفة «هآرتس»:
1- وقف شامل لإطلاق النار.
2- فتح المعابر وتوسيع رقعة الصيد البحري قبالة غزة.
3- إدخال مساعدات طبية وإنسانية.
4- تسوية موضوع الأسرى والمفقودين والمعتقلين.
5- ترميم واسع للبنى التحتية في القطاع بتمويل أجنبي.
6- محادثات حول مرفأ بحري وآخر جوي.
هذه البنود أكدها ثلاثة مسؤولين كبار في تل أبيب، مشيرين إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق دخلت حيز التنفيذ. مع ذلك، في تأملٍ للبنود، يتضح وجود بنود منجزة وأخرى تحتاج إلى تفاوض واتفاقات منفردة، ما يشير إلى توجه لتجزئة المسائل و«الوعد» بمعالجتها لاحقاً، وإن ربطت شكلاً ضمن اتفاق واحد، وفي المقدمة مسألتا الأسرى والمعتقلين، والميناءان البحري والجوي الفلسطينيان، لأن الخلاف الرئيسي حولهما كبير جداً بين الجانبين، وهو ما كانت إسرائيل متعنتة حوله وترفض أي اتفاق من دونه إلى جانب نزع سلاح المقاومة وإيجاد آلية تمنع استئناف التسلح وتناميه لاحقاً.
مع ذلك، تشير النقاط الست شكلاً إلى اتفاق كبير وواسع، أما في المضمون، فهو اتفاق أكثر بقليل من اتفاق تسهيلات يقلص حصار غزة إلى الحد الذي يمكن التعايش معه فلسطينياً، لكنه تراجع إسرائيلي يظهر انتصاراً فلسطينياً للخيار المقاوم في مواجهة الاحتلال.