ينسحب الخواء السياسي والفكري والإعلامي والأخلاقي الذي يضرب عالمنا العربي على الطبقات السياسية الحاكمة والمتحالفين معها من رجال مال وأعمال و«مثقّفين» و«إعلاميين»، تماماً كما ينسحب على معظم القوى التي تدّعي معارضة السلطات الحاكمة، علماً بأنّ المنطق يفترض بأن تقدّم هذه القوى المعارِضة بديلاً نموذجياً يُحتذى، يجتذب إليه الناس. وبات الفضاء الإلكتروني ساحة لاستعراض هذا الخواء، فيما أخذ بعض المنصّات يشجّع مثل تلك الطروحات بدعوى حرية الرأي والتعبير، فيما تُخفي خلفها أجندات مشبوهة لم تعد تنطلي على المتابعين.

هذه الطروحات انتشرت في لبنان (وغيره) بعد موجة التظاهرات ــــــ التي اندلعت في تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي في بيروت وبعض المدن ــــــ احتجاجاً على فساد السلطات الحاكمة، والمطالبة بالإصلاح والتغيير.
ومثالٌ على هذه الطروحات الخاوية، مقالة نُشرت في مؤسسة «كارنيغي» بعنوان «حطّم متظاهرو النبطية المفهوم السائد بأنّ الطائفة الشيعية تقف بقوّة وراء حزب الله وحركة أمل»! علماً بأنّ مؤسسة «كارنيغي» عمدت إلى نشر المقالة في قسم جديد بعنوان «برقيات» (وهو باللغة الإنكليزية لدى المؤسّسة ديوان Diwan)، أشبه بمدوّنة، ربما لتعفي نفسها من إمكانية الطعن بمصداقيتها لو نشرتها في الأقسام الرئيسية فيها.
من دون الخوض في كلّ ما جاء في هذه المقالة، باعتبارها تحمل موقفاً شخصياً ضد حزب الله بشكل أساسي، يجدر التوقف عند بعض النقاط:
أولاً، لا بدّ من التأكيد على مشروعية الاحتجاجات بكلّ أشكالها ضد السلطات الحاكمة المتّهمة بالفساد، والمطالبة بالإصلاح والتغيير، بل هي حقّ أصيل للمواطنين.
ثانياً، هناك أسباب موجبة للاحتجاجات الشعبية ضدّ السلطات الحاكمة (كما في دول أخرى كالعراق) المتّهمة بالفساد وإفلاس البلاد.
ثالثاً، لا يوجد من هو فوق النقد، فكلّ من يشارك في العمل السياسي، مهما علا شأنه، يصبح تلقائياً معرَّضاً للنقد والمساءلة. فلا قدسية لأحد.
لكن، المشكلة أنّ هذا الحق في التظاهر والاحتجاج تحوّل عن الهدف الرئيسي، وهو الإصلاح والتغيير ومحاسبة الفاسدين، وتمّ اختطافه من بعض القوى التي لها أجندات خفية (لم تعد كذلك) استغلّت الاستياء العام لتمرير أجنداتها، وتحوّل بعض هذه الاحتجاجات إلى أعمال عنف وتدمير للممتلكات العامّة والخاصة (كما في العراق أيضاً) من جهة، ومحاولة لتصفية حسابات سياسية من جهة أخرى.
لكنّ الأنكى من ذلك، أن يتنطّح هؤلاء المحتجّون للادّعاء بأنّهم يمثّلون الشعب اللبناني! هكذا بكل بساطة. السؤال البديهي الذي لا يريد هؤلاء الإجابة عليه هو: هل يكفي أن تكون القضية التي يتظاهرون لأجلها محقّة (وهي كذلك)، كي يدّعي هؤلاء أنّهم يمثلون الشعب اللبناني؟
المؤسف، أن يجد المرء نفسه مضطرّاً لأن يطرح البديهيات على النقاش! من الشعارات إلى المواقف والنتائج. انتفاخ بعض المتظاهرين يشبه الذي ينظر إلى ظلّه مساء، فيخال نفسه جبلاً سيغيّر التاريخ!
«غيّرت التظاهرات التي شهدتها مدينة النبطية اللبنانية، بدءاً من 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وجه التاريخ»، تقول كاتبة المقالة! وتضيف: «ثورة النبطية باختصار، محطّة تغيير جذري بالنسبة إلى شيعة لبنان» و«ولادة كتلة ثالثة، حيوية وذات مقبولية شعبية، ونزعة وطنية».
في الحقيقة، يتمتّع معظم هذه المجموعات بخصال حميدة، ويثير الإعجاب والتأييد. ومن دون التقليل من حيثية المتظاهرين، أو التشكيك بوطنيّتهم، لكن، هل بضع عشرات، أو مئات المتظاهرين، يعني «ولادة كتلة ثالثة ذات شعبية»! أما اعتبار ذلك «محطّة تغيير جذري تشبه حركة عامية انطلياس، التي تأسّست خلال القرن التاسع عشر، وأشعلت شرارة أول معارضة شعبية داخل الطائفة المارونية ضدّ المؤسسة الدينية»، فهذا يندرج في باب الإثارة أو الطرافة. أما شعار «كلّن يعني كلّن» (مثل «أريد وطن» في العراق)، فإنه يحمل في طياته تجهيلاً للمرتكب الحقيقي، وجواز عبور له من المحاكمة. إنّه شعار يخاطب مشاعر الناس بدل عقولهم، وهو تماماً ما تتّهم به كاتبة المقالة «الثنائي الشيعي».
لا يعني ذلك إعفاء أي قيادي من «الثنائي الشيعي»، أو الأحزاب الأخرى، من المسؤولية الأخلاقية عمّا آلت إليه البلاد. لكنّ المسؤولية الأخلاقية شيء، والإدانة القضائية أمر آخر. والاتهامات يجب أن تستند إلى أدلّة تصلح لتقديمها إلى القضاء، كما لا يخفى على الكاتبة. أمّا تعميم الاتهامات بهذه الطريقة «الشعبوية»، فإنه يلامس «الذم والقدح والتشهير».

لم يدّخر خصوم حزب الله أيّ جهد في محاولاتهم لاتهام الحزب بأي شيء وتشويه صورته


الأمر اللافت في هذه المقالة، أنّ الكاتبة تقول إنّ الاحتجاجات في النبطية نجحت في توجيه النقد إلى الطبقة السياسية (واعتبرته إنجازاً!)، إلا أنها ركّزت معظم انتقاداتها على حزب الله، مثل «حطّم هذا الشعار أسطورة التعفّف، التي يروّج لها حزب الله» (وكأن التعفّف تهمة)، «الذي يعدّ مهام سياسييه في الحكومة والبرلمان امتداداً لبطولات المجاهدين في الجبهات وحفظاً لدماء الشهداء» (وهل هذه تهمة؟)، و«تحدّي إرادة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله»... إلخ.
هنا بيت القصيد. فالتركيز على حزب الله يكشف الأجندة الخفية لدى بعض المتظاهرين الذين، كما قلنا سابقاً، سعوا إلى خطف حركة الاحتجاجات المطلبية المشروعة التي بدأت ضد فرض رسوم على تطبيق «واتس أب»، وحرفها إلى اتجاهات لا تخدم سوى مصلحة العدو الإسرائيلي. نسيَت الكاتبة، أو تناست، حقائق أثبتتها التطوّرات الأخيرة بشأن هوية الطبقة المتنفّذة الفاسدة، المتمثّلة بحيتان المال، أصحاب المصارف، خصوصاً مصرف لبنان المركزي وحاكمه رياض سلامة الذي تسبّبت سياساته بالتواطؤ مع معظم الطبقة السياسية بالانهيار المالي وإفلاس البلد، وخصوصاً سرقة ودائع اللبنانيين في البنوك. وتعلم الكاتبة تماماً أنّ حزب الله ليس جزءاً من هذا الفساد، لأنّ لا مصالح مالية أو مصرفية له بسبب العقوبات الأميركية الظالمة على القطاع المصرفي اللبناني الذي يقوم حاكم المصرف المركزي بتطبيقها بحذافيرها، بل والمزايدة على واشنطن أحياناً.
المفارقة أنّ الجميع في لبنان يعلم أنّ حاكم مصرف لبنان هو رمز الطبقة الفاسدة، حتى أنّ رئيس الحكومة المستقيل حسّان دياب لم يستطِع إقالته، بسبب دعم هذه الطبقة له فضلاً عن الدعم الأميركي المباشر، إلّا أنّ المتظاهرين (باستثناء قلّة) يستهويهم شعار «كلّن يعني كلّن» أكثر من شعار «يسقط حكم المصرف».
لم يدّخر خصوم حزب الله أيّ جهد في محاولاتهم لاتهام الحزب بأي شيء وتشويه صورته، وصولاً إلى اختلاق الأكاذيب واتّباع أساليب التضليل. وتمّ تجنيد «كتّاب» و«محلّلين» و«وسائل إعلام» في حملة لم تتوقف منذ سنوات، وتصاعدت أخيراً مع انفجار مرفأ بيروت الذي سببه احتراق نيترات الأمونيوم. حتى أنّ محطّة «أم تي في» التلفزيونية مرتبطة بقوى محلية معادية للحزب (القوات اللبنانية) وقوى إقليمية ودولية (الخليج وأميركا) سخّرت معظم برامجها لاتهام حزب الله بالمسؤولية عن انفجار المرفأ: بدءاً، ذكرت المحطة أنّ الانفجار ناتج عن ذخائر للحزب في المرفأ. ومع تهافت هذا الادعاء ذكرت المحطة أنّ نيترات الأمونيوم تابعة للحزب. ومع سقوط هذه المزاعم، ادّعت المحطة مجدداً أنّ الحزب مسؤول عن الانفجار بزعم سيطرته على المرفأ! كيف؟ مش مهم. المهم اتّهام الحزب. ومع نشر الكثير من التحقيقات المتعلّقة بالمرفأ، تبيّن أنّ كلّ المسؤولين الحاليين والسابقين الذين يسيطرون على المرفأ هم من الطبقة السياسية الفاسدة التي ليس لحزب الله علاقة مباشرة بها مطلقاً. مع ذلك، ما زالت هذه المحطّة تتهم الحزب بالمسؤولية عن الانفجار!
تخيّلوا لو كان لدى خصوم حزب الله، المحليين والدوليين، ملفات فساد حقيقية تخصّ قياداته، ماذا سيفعلون؟!
لا يعني كلّ ما تقدّم أنّ حزب الله معصوم من الخطأ. أبداً. الذي لا يعمل هو الوحيد الذي لا يخطئ. وسياساته عرضة للنقد والمساءلة مثل غيره من الأحزاب والقوى. ولديه حلفاء وأصدقاء، كما لديه خصوم وأعداء. وهذه القوى تتعاطى في ما بينها على أساس المصالح المشتركة ومصالح البلد، أو هكذا يُفترض أن يكون.
لكن هناك فرق بين الخصومة الشريفة والخصومة الفاجرة. ومشكلة بعض الخصوم مع الحزب، أنهم يرفعون من منسوب الخصومة لأسبابهم الخاصة (وليس لمصالح وطنية)، فتغدو الخصومة غير عاقلة ولا موضوعية، بل فاجرة، فتلجأ إلى مثل هذه الأساليب الرخيصة من الردح والتضليل. فهل يُعقل، مثلاً، أنّ الإسرائيليين، باعترافهم، يصدّقون أمين عام حزب الله أكثر من قادتهم، فيما بعض أبناء جلدتنا يبدأون بالتشكيك حتى ولو قال بسم الله!
نقطة أخيرة في موضوع الفساد: رغم أنه لا توجد ملفات فساد بحق قادة حزب الله، على حدّ علمنا، إلّا أنّ الحزب يتحمّل مسؤولية أخلاقية عن انتشار الفساد في البلاد، بسبب كونه جزءاً من السلطة السياسية، وله تحالف مع بعض هذه القوى لأسباب تتعلّق بحماية المقاومة.
هذه المسؤولية الأخلاقية، برأيي، تشكّل دافعاً أو ضغطاً داخلياً على الحزب لمراجعة بعض سياساته لتصويب الأمور. وهذا الأمر لا علاقة له بالحملة الظالمة التي يتعرّض لها من الخصوم المحليين والدوليين، إذ إنّ المراجعة أمر أساسي لدى حزب يؤمن بمبادئ سامية. لكن، كيف لمدّعي الإصلاح ومكافحة الفساد أن يغفلوا عن الفاسدين الحقيقيين من الطبقة السياسية، ويركّزوا تصويبهم على حزب الله، فقط لأنّه شريك في هذه السلطة؟
مع كل هذه الحقائق، لماذا التركيز، إذن، على حزب الله؟ هناك ثلاثة أسباب رئيسية:
الأول: «اختراع» عدوّ متخيَّل للهروب من تحمّل كلفة مواجهة العدو الحقيقي، تماهياً مع اختراع بعض العرب عدواً جديداً لهم (إيران ) بدلاً من العدو التاريخي للأمة العربية (إسرائيل).
الثاني: تناغمٌ ضمني أو تواطؤ صريح مع المساعي الأميركية لعزل حزب الله، بعد الاقتناع بعدم القدرة على القضاء عليه (استلاب الشخصية).
ثالثاً: العقد النفسية (الغيرة والحسد والحقد...إلخ)، التي يسبّبها النجاح الذي يحقّقه حزب الله في معظم القضايا التي يدافع عنها، وأكسبته هذا التأييد الشعبي الهائل ــــــ الذي لا ينكره إلّا أعمى أو جاحد ــــــ وأبرزها قضية الدفاع عن سيادة لبنان في وجه غطرسة العدو الإسرائيلي، الذي كان يستبيح هذه السيادة متى يشاء، فغدا هذا العدو مع تعاظم قدرات المقاومة وتثبيت معادلة الردع «يقف على رجل ونصف». هذه المعادلة أنتجت كرامة وعزة، ربما لا يعرف مكنونها من يتسكّع أمام أبواب السفارات ومن في قلبه مرض الحقد.
يبقى السؤال الأساسي: من هو المستفيد من هذه الحملة على حزب الله؟ لا شك في أنّ الجميع بات يعرف الجواب.

* كاتب عربي مقيم في لندن

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا