يعيش الطبيب اللبناني، منذ انتهاء الحرب الأهلية، معاناة كبيرة نتيجة لجوئه الطوعي لطائفته ومنطقته، وما لهذا اللجوء من انعكاس سلبي ومأساوي على واقع حاله المهني والعلمي وبالتالي المعيشي، وحال الأمر أن هذا الطبيب، كالآلاف من زملائه، يقف عند دخوله المعترك المهني أمام عوائق ثلاثة:

1- سوق عمل محكوم لأمر واقع طائفي مناطقي تمسك به القوى الاقتصادية المفروزة من الطائفة والمنطقة: فمثلاً جميع المستشفيات الخاصة في لبنان يملكها أطباء أو رجال أعمال يتأثرون بأجواء مناطقهم التي يطغى عليها الطابع الطائفي. ولا يوجد تقريباً أي استثناء لهذه القاعدة، فالمصلحة المالية المباشرة لصاحب المستشفى تخضع مباشرة للمنطقة والطائفة الموجود فيها، ناهيك عن أن هناك العديد من المستشفيات (كالمدارس) تملكها وتشرف عليها مؤسسات دينية، وبعدما كان هذا التوجه حكراً في الماضي على المؤسّسات المسيحية أخذت اليوم جميع الطوائف والمذاهب تحذو حذوها.
2- عقلية الربح السريع المتحكّمة في كل سوق العرض والطلب اللبناني والتي كانت مهنة الطب تنهل منها بأشكال مختلفة، والجميع يملك أمثلة وأدلة على هذا الطبيب أو ذاك، خاصة في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكيف استطاع بعضهم خلال فترة لا تزيد عن خمس سنوات تملّك العقارات والشركات، أو حتى حالياً كيف يستطيع البعض منهم - وذلك دائماً على حساب الدقة العلمية والضمير المهني - تحصيل مبالغ خيالية مثل 80 ألف دولار شهرياً، ومنهم أكثر من ذلك. وقد أعطيت مكافآت بمناصب سياسية للبعض من هذه الحفنة كشرعنة لعملها. هذه العقلية قصيرة النظر استمدّها الطبيب من سوق العمل اللبناني، يساعده فيها المرضى نتيجة ضعف ثقافتهم الصحية. وكم هو كبير عدد الناس الذين يسيل لعابهم عند سماع أو رؤية نماذج اجتماعية استطاعت تجميع أموال طائلة في فترة زمنية قصيرة، لذلك فالمريض يميل دائماً للذهاب إلى الطبيب ذي التعرفة المرتفعة.
من ناحية أخرى، كان هناك وهمٌ بأن الأطباء والمتخرجين من البلدان «الاشتراكية» لن يحذوا حذو زملائهم المتخرجين من البلدان «الرأسمالية» ولن يتبنّوا هذه العقلية لأسباب تتعلق بمناعتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وغيرها، إلا أن هذا الوهم انجلى واضحاً من خلال الممارسة التي تساوى فيها «الشرقيون» مع «الغربيين» أمام عقلية الربح السريع الجذابة.
3- غياب مخطّطات التوجيه المهني أمام مستقبل التحديات المهنية والمطلبية والاجتماعية، بالإضافة إلى ضعف الحياة الثقافية والفكرية عند الطبيب، ما يحول دون تكوين مناعات ذاتية تمنعه من الانغماس في أوحال سوق العمل اللبناني الذي تتحكّم به الطائفة والربح بأيّ ثمن، كما يحول دون التمكّن من رؤية الفرص الموجودة للاستثمار في القطاع الصحي والعلمي في دول المحيط وإمكانية التشبيك معها، لما لذلك من مصلحة مهنية مباشرة للطبيب اللبناني بمعزل عن قناعاته الفكرية والسياسية وغيرها ذلك.
أمام هذه العوائق الثلاثة: الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وأمام انعدام أي حاضن علمي أو نقابي أو حتى توجيهي مهني، يرمي الطبيب بنفسه «في السوق»، ما ينعكس سلباً في البداية على مستواه العلمي لانعدام المرجعية العلمية، ومن ثم على مستواه المهني إذ يصبح الطبيب المكبّل بهذه العوائق أسيراً للمستشفى والمنطقة وللمرضى التابعين لطائفته، وأخيراً على مستوى معيشته التي تتحكّم بها أدوات السوق الطائفية.

النفوذ الطائفي يتدخل في كلّ تفاصيل الحياة المهنية للطبيب ليسقط منه كل وسائل دفاعاته المطلبية والمعيشية


هذا النفوذ الطائفي يتدخل في كل تفاصيل الحياة المهنية للطبيب الأعزل فكرياً، ليجذب ويُسقط منه كل وسائل دفاعاته المطلبية والمعيشية أي نقابته، ولهذا كانت الانتخابات في نقابة الأطبّاء والأجواء المحيطة بها تجري على الدوام ضمن الثوابت التالية:
1- طائفية النقيب والتوزيع الطائفي لأعضاء النقابة، وقد أضحى هذا الثابت أكثر من عرف داخل النقابة يفرض نفسه على الأوساط الطبية وتعترف به ضمناً، ولا يغرنّك الثوب السياسي الذي يرتديه بعض المرشحين أو أجواء التحالفات السياسية للانتخابات، لأنه سرعان ما ينزع الثوب ويبقى الثابت، فالجميع يذكر فوز أحد النقباء المعارضين للأمر الواقع ووقوف المستقلّين طابوراً للتهنئة والتمنّي باستعمال الأداة النقابية في رفع الشأن المطلبي ومشاكسة المعطى السياسي القائم. ولم يمضِ وقت طويل حتى تبيّن أن هذا النقيب منغمس حتى أنفه في التجييش الطائفي داخل النقابة، وصولاً إلى تسييب نفوذها وإضعافها وهدر حقوق الطبيب أمام المؤسسات الضامنة ومن ثم العمل على إفساد إدارتها وصندوق تعاضدها.
2- ضعف وانعدام البرامج المطلبية التي يخوض المرشحون الانتخابات على أساسها، فأجواء الانتخابات كان يحكمها على الدوام بلوكات استشفائية كبيرة تضمر في بيتها الثابت الطائفي وتضع ورقة توت على عورتها. هي «تحالفات» تسمّيها سياسية أو جامعية (فرنكوفونية، أنكلوفونية، بلدان اشتراكية الخ...) تجري بتوافق واعٍ (وإذا كان غير واعٍ فهو أخطر) من قبل الأطباء بمن فيهم «اليساريون» وبعلمهم جميعاً. فهذا التحالف أو ذاك يصبّ في النهاية عند المعطى الطائفي، والقاعدة الطبية أضحت بعد الترويض، لا تعير اهتماماً للبرنامج المطلبي الانتخابي بقدر ما يهمّها عدد أفراد طائفتها الممثلين داخل التحالفات، ولم نسمع مرة واحدة، ومن أية فئة سياسية، الحديث عن موقف من الانتخابات انطلاقاً من برنامج مطلبيّ متكامل، بل يغطس الجميع في حسابات عددية وشخصية عميقة.
3- أمام ثابت انتماء النقيب الطائفي وضعف البرامج المطلبية، يلاحظ أن ما يزيد من معاناة الطبيب المهنية وإضعاف نفوذ نقابته هو شخصنة نشاط النقيب والتفرّد النقابي الذي يشكل الفعل الطاغي على العمل داخل النقابة ويندر أن يصيب من مصلحتها كمؤسسة، بل يمتطيها ويستثمر ما ترمز إليه من تجميع «نقابي» لفئة متوسطة من المجتمع اللبناني، كل ذلك للوصول إلى تحقيق حلم شخصي في موقع سياسي تشكل النقابة جسراً للعبور إليه، وبالرغم من أن التبرير المطلق بالحلم السياسي جائز لكل فرد من أفراد هذه الطبقة الوسطى، إلا أن المنطق الاجتماعي يفرض أن يأتي نقيب الأطباء إلى السلطة السياسية من قلب الصراع والنضال النقابي وليس على ظهر النقابة وإفراغها من مضمونها المطلبي والاستعاضة عنه بالتسكع والزحف عند الأمر الواقع السياسي.
بهذه الثوابت الثلاثة، المكبّلة للنقابة، لم تخرج الانتخابات الأخيرة عن واقع هذه العقلية القاتلة، فقد جرت هذه الانتخابات في جو سياسي عام متأزم جداً، كان وما زال عنوانه الاتجاه نحو مزيد من الانعزال في الخطاب السياسي وتحريك العواطف الطائفية في الداخل وفي العداء للمحيط الجغرافي، بحيث لم يعد من مكان على هذه الساحة لأيّ طرح متجذر أو معتدل أو محايد أو حتى منفتح بعض الشيء.
وكما يفعل النفوذ الطائفي في النقابة والإتيان بأعضاء على قياس الطائفة وتحت تأثيرها السياسي المباشر، فإن الوضع الإداري لنقابة الأطباء يعاني من نفس المرض، وعوارضه لا تختلف عن عوارض أيّ من المؤسسات الحكومية المنهوبة من الطوائف. فمنذ نشأتها والمحسوبيات على أساس الانتماء تحكم وضع النقابة الداخلي، والمنطقي أن المعاشات والمصاريف، حين تكون بالمحسوبيات، يحكمها الهدر والفواتير المنفوخة والمصاريف غير المبرّرة من تنقلات ودعوات واتصالات، إلى العقود مع شركات التأمين ومستوردي الأدوية وغيرها...
وفي إطار الحديث عن حجم التجاذب الطائفي داخل النقابة، لا بدّ من الإشارة إلى تغيير ديمغرافي حصل في العشر سنوات الأخيرة لمصلحة هذا الثابت الطائفي، ففي أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي كان عدد الأطباء وأعضاء النقابة لا يتجاوز مئتين وخمسين طبيباً، كان معظمهم، كما هو معلوم، يتركز عمله في بيروت وجبل لبنان لأسباب لها علاقة ببنية لبنان الاجتماعية، وكان الوضع الاقتصادي لكل أطباء الستّينات وحتى السبعينات ميسوراً جداً، يساعدهم في ذلك انتماؤهم العائلي (أصول عائلية مترفة غالباً) وانعدام المنافسة في سوق العمل في لبنان كما في السوق العربي. أما اليوم فالوضع مختلف كلياً إذ إن عدد الأطباء يصل إلى أكثر من اثني عشر ألفاً وهي نسبة عالية جداً قياساً بعدد السكان، وقد أصبح التوزيع متساوياً داخل النقابة بين مسلمين ومسيحيين والتوزيع الديمغرافي عدّل من ثقل بيروت والجبل بعض الشيء. إضافة إلى ذلك فإن المستوى العلمي للأطباء أصيب بانتكاسات ناتجة عن الحرب الأهلية وتبعاتها، بلدان التعليم المختلفة، انعدام الرقابة العلمية حتى داخل المستشفيات الجامعية التي كانت في السابق حاضناتها العلمية موجودة في فرنسا وأميركا.
أخيراً، وأمام هذا التجاذب الطائفي الذي ينعكس غياباً في النشاط النقابي، فإن الطبيب في لبنان، الذي يضع رقبته تحت المقصلة الطائفية، سيبقى يعاني باستمرار من:
- وضع نقابي مهترئ، تنهشه أنياب منتفعي النفوذ الطائفي، وتفوح منه رائحة الصفقات العفنة من داخل إدارة النقابة.
- وضع علمي متردّ، بحيث لا إشراف على تأهيله العلمي، ما ينعكس هبوطاً في مستوى الخدمة الطبية وتلطّياً خلف ألقاب وآرمات وإعلانات منفوخة لتغطية انعدام الكفاءة وتمرير الأخطاء الطبية.
- وضع اقتصادي متردٍّ، سيجعل من الطبيب أول الساقطين من الطبقة الوسطى، ما يبشّر بظهور مطالب وهموم اقتصادية كبيرة.
- أفق مستقبلي مسدود في ظل غياب المخططات التوجيهية لمستقبل الممارسات المهنية إن على مستوى تقديم الحلول الجذرية للقطاع الصحي ومهنة الطبابة في لبنان، أو من خلال مشاريع التشبيك الصحي مع المحيط العربي.

* طبيب لبناني أخصائي في جراحة الأعصاب مقيم في فرنسا