أعزّ ما يملكه أي بلد هو ذاكرته الوطنية وما استقر فيها من معان ورموز تلخص خبرته المشتركة وتلهم قدرته على مواصلة العطاء جيلاً بعد آخر، فلا التاريخ يولد من فراغ ولا الحركة إلى المستقبل تتأسس على تجهيل. بأي نظر موضوعي لا يعقل ولا يقبل أن ترتفع من وقت لآخر دعوات مسموعة ومكتوبة تدعو إلى إعادة تمثال فرديناند ديليسبس إلى قاعدته عند مدخل قناة السويس.

المشكلة ليست في التمثال بحد ذاته، الذي نزع من موضعه بعد حرب السويس عام (1956) بإرادة أهل بور سعيد، الذين حاولوا نسفه مرة تلو أخرى، بقدر ما هي في طريقة النظر إلى تاريخنا باستخفاف مفرط يعتبر الحقائق الأساسية عوارض عابرة. حسب الوثائق المصرية والفرنسية، قاد ديليسبس أخطر عملية نصب في التاريخ الحديث، حيث امتلكت مصر (٤٤٪) من رأسمال شركة قناة السويس دون أن يكون لها أي سيطرة على أمورها، فضلًا عن التضحيات الهائلة التي دفعها فلاحوها أثناء حفر القناة والذين عملوا بالسخرة. عملية النصب قننت في عقود، والتعبير نفسه استخدمه الدكتور حسام عيسى في أطروحته للدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. المثير أن بعض الذين يدعون إلى إعادة التمثال يقرّون بأنه كان نصّاباً. فإذا ما كان كذلك، هل يليق ببلد يحترم نفسه وتاريخه أن يقدم على خطوة هي بأي اعتبار نوع رفيع من التكريم؟!
لم تكن قناة السويس فعلياً لمصر التي حفرتها على مدى ستة عشر عامًا متصلة، وفق نص التعاقد الذي أبرمه ديليسبس مع الخديوي سعيد، الذي استنزف موارد مصر وقدراتها المالية وأسقطها في شرك الديون الخارجية، وأفضى إلى احتلالها عام (١٨٨٢) بالسلاح البريطاني. مات نحو مئة ألف مصري في عمليات الحفر، وهو رقم مهول بالنظر إلى عدد السكان في ذلك الوقت، نحو أربعة ملايين نسمة. في عهد الخديوي إسماعيل افتتحت القناة عام (١٨٦٩)، وبدا المصريون في الحفل الباذخ أقرب إلى الديكور الشعبي أمام ملوك أوروبا. عندما يذكر تاريخ إسماعيل لا تبقى في الذاكرة العامة سوى الصورة الإمبراطورية التي كانت عليها احتفالات افتتاح قناة السويس. وهذا الأمر يعدّ إجحافاً بحجم دوره.. فالقاهرة الحديثة هي «القاهرة الخديوية»، وإنجازاته الأخرى في البناء والتشييد لا تقل أهمية. بدت مصر كلها رهينة للقناة حتى تمكنت من تأميمها منتصف القرن التالي.
كان تأميم قناة السويس زلزالًا مدويًا في أرجاء العالم، بقدر أهميتها في التجارة الدولية واستراتيجيات القوى الكبرى. لم يكن بوسع أحد في العالم توقع تأميم قناة السويس قبل إعلانه من فوق منصة «ميدان المنشية» بالإسكندرية يوم ٢٦ تموز/ يوليو (١٩٥٦)، ولا كان مطروحًا تسليم شركة قناة السويس إلى مصر بعد انتهاء عقد الامتياز عام (١٩٦٨).
لم تكن شركة تستثمر بقدر ما كانت دولة داخل الدولة. قرار التأميم ردّ اعتبار الوطنية المصرية، وتمكّنت دولة من العالم الثالث من تحدي الإمبراطوريتين السابقتين البريطانية والفرنسية في صلب مصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث منابع النفط الذي تمر حمولاته عبر القناة. جسارة التحدي تأخذ معناها الحقيقي من سياقها في الصراع على الشرق الأوسط، فقد حاولت مصر بعد ثورة يوليو الخروج من دوائر النفوذ الاستعمارية، قاومت الأحلاف العسكرية وسياسات ملء الفراغ، كسرت احتكار التسليح بصفقة الأسلحة السوفياتية، أيدت حركات التحرير الوطني في العالم العربي، دعمت بالإعلام والسياسة والتمويل والسلاح الثورة الجزائرية، ولعبت دورًا جوهريًا في تأسيس قوة دولية جديدة، خارج استقطاب الحرب الباردة، للدول المستقلة حديثًا.

لم يكن مسموحًا لمصر بأن تتطلّع لاكتساب قرارها الوطني بالتأميم أو بغير التأميم


السياق يشرح وينير حجم الأثر الذي خلّفه قرار تأميم قناة السويس في الحسابات الدولية والصراعات على المنطقة، ومدى دقة حساباته لمتغيرات عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. بالحساب التقليدي فإنه مغامرة بالمصير بعد أسابيع من جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر قد تُفضي إلى إعادة احتلالها من جديد، أو إطاحة نظامها بانقلاب يشبه ما تعرض له قبل سنوات قليلة الزعيم الإيراني محمد مصدق، بعد تأميمه بترول بلاده. حسب ما هو مؤكد بالأوراق والمستندات والشهادات، أخذ قرار التأميم وقته في الدراسة وجمع المعلومات، والتحضير لإدارة القناة بعد تأميمها. إذا كان هناك من يعتقد بأن استقلال القرار الوطني يُمنح ولا يُنتزع فهو واهم، فلكل استقلال تكاليفه وتضحياته ومعاركه.
اكتسبت مصر استقلالها الوطني الكامل في حرب السويس بفواتير الدم المبذولة وشجاعة أبنائها الذين هرعوا لحمل السلاح في مواجهة العدوان الثلاثي البريطاني ــ الفرنسي ــ الإسرائيلي، لا بـ«اتفاقية الجلاء» التي وقّعها جمال عبد الناصر نفسه عام (١٩٥٤) وانطوت على تنازلات تتيح للقوات البريطانية حق العودة إلى قاعدة قناة السويس، إذا ما تعرض بعض حلفائها للخطر.
هناك من يتصور أن مصر كان يمكنها تجنب العدوان عليها، إن لم يُقدم عبد الناصر على قرار التأميم. لكن الوثائق تظهر أن هذا استنتاج متعجل، فلم يكن مسموحًا لمصر بأن تتطلع لاكتساب قرارها الوطني بالتأميم، أو بغير التأميم. وبحسب تقرير استخباري أميركي ــــ ربيع (١٩٥٦) ــــ كشف عنه محمد حسنين هيكل في كتابه «ملفات السويس»، فإن خطط الغزو والانقلاب على عبد الناصر وقتله سبقت قرار التأميم. انطوى التقرير على دعوة بريطانية صريحة لاستخدام القوة المسلحة، لإسقاط الحكومة المصرية بالمشاركة مع إسرائيل. لم يكن كلامًا في فضاء الاجتماعات السرية، بقدر ما كان شروعًا في تحديد الأدوار قبل التنفيذ. كان الدور الإسرائيلي ــــ وفق التصور البريطاني ــــ الهجوم المباشر على غزة ومناطق الحدود الأخرى، والقيام بعمليات خاصة ضد مخزون مصر من إمدادات الذخيرة والطائرات والدبابات.
بصورة مقاربة هذا ما حدث في حرب السويس، بعد إضافة فرنسا إلى قوة العدوان، بدافع ثأرها من الدور المصري في ثورة الجزائر. لم يكن رفض «البنك الدولي» تمويل مشروع بناء السد العالي، السبب الرئيسي لتأميم قناة السويس بالفعل ورد الفعل. منذ احتلال مصر وهي تتطلع إلى هذا اليوم، الذي تستعيد فيه الشعور بالكبرياء الوطني، والقدرة على الدفاع عن حقوقها الأصلية. فكرة التأميم لم يخترعها عبد الناصر، ولا طرأت على رأسه فجأة. فقبل «يوليو»، ترددت دعوات متناثرة تضمنتها ــــ أحيانًا ــــ دراسات تتبنى هذه الخطوة، لكنها كانت أقرب إلى الأحلام البعيدة والتخيلات المحلقة. لم يكن أحد يتصور أن يأتي هذا اليوم فعلًا، حتى إن أغلب الذين دعوا إلى التأميم قبل «يوليو» لم يحتملوا المفاجأة عندما صارحهم بها عبد الناصر، وهو يتأهب لإعلان قراره خشية ردات فعلهم. يذكر أن من بين الاقتراحات التي عُرضت على عبد الناصر أن يقدم على «نصف تأميم» حتى لا يستثير القوى العظمى، لكنه لم يكن مستعدًا لأنصاف حلول وأنصاف تأميم، «نأخذ حقنا كاملًا وليكن ما يكون». الكلام عن استعادة قناة السويس دون تأميم، أو قتال، أقرب إلى الخزعبلات السياسية.
كان شارل رو، رئيس مجلس إدارة شركة قناة السويس واضحًا مع شيمون بيريز رجل ديفيد بن غوريون بالقول إن «مطامع المصريين لا تقف عند حد، وجمال عبد الناصر هو العدو الحقيقي». كان ذلك قبل تأميم القناة. وبتعبير رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، العدوان استهدف: «حرية بلد تحرر أخيرًا من الاستعمار، وهذا إلغاء للتاريخ لا يمكن التهاون معه».
رغم آلاف الوثائق والشهادات والكتب التي نُشرت عن حرب السويس، فإن هناك من يطلب نزع أي قيمة عن التضحيات التي بُذلت حتى يكون استقلال القرار الوطني مستحقًا. هذا هو المعنى الحقيقي الذي يستحق الدفاع عنه، حتى تظل للذاكرة الوطنية احترامها وحرمتها.
* كاتب مصري