قبل ستين سنة، وتحديداً في 26/6/1959، اعتُقل وقُتل (اغتيل) أحد أكبر قادة الحزب الشيوعي اللبناني السوري (بل ربما أكبرهم على الإطلاق)، الشهيد الكبير فرج الله الحلو (ولم يكن قد تخطّى الثانية والخمسين من عمره). ليست أهمية هذا المناضل المرموق فقط، في أنه صمد وثابر وواصل مهماته حيث تراجع معظم القادة الآخرين الذين غادروا، بقرار أو بغير قرار، خشية حملة المخابرات السورية في مرحلة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا (1958-1961). ولا تكمن أهميته أيضاً، فقط، في صموده أمام الجلاد واحتقاره للعميل الخائن ورفضه النهائي الحازم للرد على أيّ سؤال أو الادلاء بأي معلومة وإصراره على الدفاع السياسي عن مواقفه واستعداده لتحمل المسؤولية الكاملة كما يليق بالكبار في ميادين الكفاح والتضحية. ليس أيضاً بسبب دماثته وتواضعه وبساطته وترفّعه عن الشكليات والمظاهر وممارسته نمطاً رهبانياً صافياً وصادقاً في العلاقات والمواقف والسلوك. إنه بالإضافة إلى ذلك وسواه مما تميّز به من الاستقامة والنبل والكفاحية والجدية والود... قد بلور معالم نهج ثوري خلّاق بشأن العديد من العناوين ذات الطابع الاستراتيجي. شمل ذلك، بتماسك منهجي واثق، الحقول الرئيسية: الدولية والإقليمية والمحلية.

بالتمايز، وبالتعارض أحياناً كثيرة، مع نهج كان يجري تكريسه في صفوف الشيوعيين اللبنانيين والسوريين (الموحَّدين آنذاك في حزب واحد)، من قبل الأمين العام وقتها خالد بكداش (المُسقَط على الحزب بقرار من قبل الأممية السوفياتية مُطيحاً بقادته المؤسسين)، ثابر فرج الله على محاولة بلورة نهج وطني مشتق من البيئة المحلية في تفاعلاتها الداخلية والخارجية... ففي عام 1937 وبعد زيارته للاتحاد السوفياتي، أصدر الحلو كتاباً بعنوان «إنسانية جديدة تبني عالماً جديداً»، تحدّث فيه، بإعجاب، عن إنجازات النظام السوفياتي لكنه أضاف: «الماركسيون هم أول من يعترف بحقيقة الأوضاع التاريخية كما هي. وعندما يتكلمون عن الاتحاد السوفياتي بهذه النغمة المرحة يجب ألا يظن القارئ، أن كلّ شبر من الأرض قد تحوَّل هنا إلى جنة تجري من تحتها الأنهار». معروف أن قادة آخرين قد بالغوا إلى أقصى الحدود في تصوير بلاد السوفيات على أنها «جنة الله على الأرض»! يتصل بذلك أنه كانت للسوفيات الكلمة الفصل في كل الأمور بما فيها الشؤون الوطنية الصرف والتي كان لينين قد أوصى في «مؤتمر شعوب الشرق» بأن تتولى وفودها صياغة سياساتها وبرامجها الخاصة في ضوء المبادئ العامة لا أن تتبنى تجارب وشعارات وأولويات سواها بشكل ببغائي. كتب فرج في تقريره أمام المؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي الموحّد (أوخر عام 1943 أوائل عام 1944): «إن حلّ الأممية الشيوعية ساعد على تبديد الكثير من الأوهام وساهم في التدليل على أن الحزب الشيوعي هو حزب وطنيّ لم تبقَ له أي علاقة مع أيّ مركز دولي، لا فعلية ولا اسمية... وأنه وُلد في لبنان العربي وسوريا العربية ونشأ وترعرع في النضال من أجل استقلالهما. وهو منهما: لحماً ودماً وروحاً»!
بهذا النفس الاستقلالي النقدي الموضوعي الثوري أضاف فرج: «لحزبنا سلاحان رئيسيان هما أساس قوته وتطوره وتقدّمه: أولهما نظريته الثورية العلمية في التحرر الوطني. وهي ليست مجموعة من الصيغ والعقائد الجامدة... بل تتجدد وتتكيف وفقاً لتطور المراحل التاريخية... وهو يضع سياسته وخطته بعد درس وتمحيص في ضوء نظريته العلمية»، ويضيف مستدركاً: «لا يهمل الشيوعيون الاستفادة من تجارب الحركات الوطنية التحررية في العالم، لكنهم، عندما يضعون سياستهم لا يقلّدون بلداً على الإطلاق، لا في الشرق ولا في الغرب. إننا نعمل لتطبيق نظريتنا على أحوال بلادنا، لا لتطبيق أحوال البلد على النظرية»!
في هذا المناخ من العلاقة الجدلية ما بين النظرية الثورية والمواقف الملموسة بشأن القضايا المطروحة في أولوياتها التحررية الموضوعية، كافح فرج ضد السياسات البريطانية الصهيونية لاغتصاب أرض وحقوق الشعب الفلسطيني. وخلاصة الرأي والموقف بهذا الشأن صاغها كما يأتي: «ليس لقضية فلسطين سوى حلّ واحد هو إلغاء الانتداب البريطاني عنها ووقف الهجرة إليها وإعلان استقلالها وتأليف حكومة وطنية ديمقراطية فيها... إن قضية فلسطين لا ينبغي أن تُحلّ على ضوء المصالح البترولية والإمبراطورية البريطانية الأميركية الصهيوينة، بل في ضوء مصالح وحقوق سكانها في الاستقلال والحرية».
استمرت هذه السياسة التي واظب عليها فرج الله الحلو والحزب حيال القضية الفلسطينية إلى حين وافقت الحكومة السوفياتية، بسرعة وفجأة، على قرار التقسيم في 27 تشرين الثاني عام 1947. واصل الحزب الشيوعي سياسته المقررة والممارسة في دعم نضال هذا الشعب المغدور. وهي سياسة تكاملت، بدور كبير لفرج الله، جوانُبها الوطنية والقومية التحررية: في طلب الاستقلال والحرية، وفي الدفاع عن المصالح الشعبية في وجه المستعمرين وأدواتهم المحلية، وفي الانتصار للقضايا التحررية في المنطقة والعالم، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني. لكن النفوذ السوفياتي في القيادة المشتركة، آنذاك، للحزب اللبناني والسوري، قد بات شديد التأثير عبر تسلط خالد بكداش على معظم القرار والتنظيم الحزبيين: بقوة كفاءته الشخصية وقوة النفوذ الروسي الذي بلغ ذروته بعد الانتصار على الفاشية والنازية. لقد تحوّل الموقف السوفياتي دفعة واحدة نحو تأييد قرار التقسيم بتأثير عوامل عدة منها النفوذ الصهيوني في أواسط أصحاب هذا القرار، ومنها التخاذل الرسمي العربي الذي بلغ حد الخيانة، ومنها الخطأ في تقدير مجريات الأحداث بشأن عدالة قضية الشعب الفلسطيني، من جهة، ومن جهة ثانية، خطر زرع الكيان الصهيوني أداة استعمارية في قلب المشرق العربي والمنطقة عموماً.
أشهر خالد بكداش سيف القمع في مواجهة من رأى فيه منافساً خطيراً. هو كان يترصده ويسعى للنيل منه. وجد الفرصة السانحة بذريعة التشكيك بولاء فرج الله الحلو للمركز السوفياتي الذي كان بكداش ابنه المدلل. كانت الأكثرية في القيادة المصغرة غير مؤيدة لبكداش. فرج الله ورشاد عيسى، القيادي الشيوعي السوري الكبير، كانا ضد قرار التقسيم. العضو الرابع في تلك القيادة نقولا شاوي ممثلاً، كما فرج الله، الشيوعيين اللبنانيين، اختار النأي بنفسه مراعاة لكل من الحلو وبكداش. ورغم ذلك فقد تمكّن بكداش من أن «يُكفّر» فرج وعيسى. حاصرهما، وخصوصاً فرج، بضراوة حقده المتراكم وتمكُّن نزعة السيطرة في نهجه وعلاقاته. رفض رشاد عيسى سياسة بكداش ومن وراءَه، واختار، مكرَهاً، الخروج، مفصولاً، من الحزب. أما فرج الذي رُكِّب له ملف جوَّال استمر بالدوران، لإذلاله وإقصائه، في المنظمات الحزبية، طيلة 3 سنوات...فقد فضّل أن يعضّ على الجرح تفادياً لفصله من الحزب. كان هذا الاغتيال الأول، سياسياً، لفرج الذي عاد ووقع، بعد بضع سنوات، في قبضة مخابرات عبد الحميد السراج، بعد أن تمكّن منه، عبر خيانة بعض المقربين، في إحدى الشقق السرية في دمشق حيث ظل يتابع النشاط الحزبي وحيداً. غادر دمشق، هرباً أو حذراً، معظم قادة الحزب وأولهم الأمين العام خالد بكداش. اعتقل فرج مساء الخامس والعشرين واستُشهد بالتعذيب الوحشي الإرهابي بعد أقل من 24 ساعة من اعتقاله في 26/6/1959.
في الجزء الثاني: ماذا عن مساهمة فرج و«مدرسته» بشأن سياسات الحزب وصياغة علاقاته الداخلية؟
* كاتب وسياسي لبناني