بين يومي 17كانون الأول/ ديسمبر 2010 و18 آذار/ مارس2011 انفجرت البنية الداخلية لخمسة بلدان عربية جمهورية على التوالي: تونس، مصر، اليمن، ليبيا، سورية. كانت تجمع هذه الجمهوريات النزعة الراديكالية عند اليسار القومي بطبعتيه الناصرية (مصر وليبيا) والبعثية (سورية)، بعد وصول هذا اليسار إلى الحكم في القاهرة ودمشق وطرابلس الغرب، وعند رئيس ذي توجه علماني أقرب إلى أتاتورك (بورقيبة) وراديكالية جمهورية معادية للحكم الإمامي في اليمن أسقطت الأخير في يوم 26 أيلول/ سبتمبر 1962. أنتجت الانفجارات المذكورة نتائج متباينة، حيث نتج عنها ثلاث أزمات (سورية - يمنية - ليبية) ذات طوابق ثلاثة في أبعادها: محلية - إقليمية - دولية، فيما أنتجت مصر انقساماً داخلياً عميقاً بين معسكري المؤسسة العسكرية والاسلاميين بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013، يحوي، باستقطابات المعسكرين لكتل وازنة اجتماعياً، جنيناً لحرب أهلية مصرية. كانت تونس هي الوحيدة التي نتج عن انفجارها الداخلي عملية تغيير سلمي ومسار ديمقراطي ما زال صامداً. حصلت إرهاصات في الربع الأول من عام 2011 من أجل حراكات داخلية معارضة في بعض الدول العربية ذات النظام الملكي (الأردن والمغرب والبحرين) ولكن سرعان ما خمدت تلك الحراكات.
في العهدة الرابعة عادت المؤسسة العسكرية لكي تدير الأمور من خلف ستارة الرئيس المريض، وازداد الفساد في جهاز الإدارة


إذا استثنينا العراق الذي خضع للاحتلال الأميركي عام 2003 والسودان الذي شهد عملية انفصال الجنوب عام 2011، ما أنشأ فيهما أوضاعاً خاصة، فإن الجزائر كانت استثناءً جمهورياً عربياً في انفجارات 2011، من حيث استمرار الوضع القائم وعدم انفجار البنية الداخلية المجتمعية. على الأرجح أن ذلك الاستثناء الجزائري كان ناتجاً عن انعكاسات عشرية الحرب الأهلية الجزائرية بين المؤسسة العسكرية والاسلاميين التي نشبت عقب انقلاب 11كانون الثاني/ يناير 1992وألغى فيه العسكر المسار الانتخابي البرلماني الذي كانت تتجه "الجبهة الاسلامية للإنقاذ"، وفق مؤشرات الجولة الأولى من الانتخابات، للفوز بأغلبية المقاعد فيه. كان مجيء عبد العزيز بوتفليقة إلى الرئاسة الجزائرية ناتجاً عن عدم قدرة العسكر على الحكم المباشر، رغم انتصارهم الميداني على الاسلاميين، لذلك أتوا ببوتفليقة من المنفى في عام 1999وأصعدوه إلى الرئاسة، وقد استطاع الرئيس الجديد خلال ثلاث سنوات أن ينهي الحرب الأهلية، وأن يحجّم المؤسسة العسكرية، التي كانت حاكمة منذ انقلاب بومدين على بن بيلا في 19حزيران/يونيو 1965، وأن يدخل الجزائر في استقرار نسبي ترافق مع طفرة في أسعار النفط، مع ديمقراطية محدودة مُنع فيها الاسلاميون من أن يكون لهم سوى تعبيرات "مدجّنة" بخلاف "الجبهة الاسلامية للإنقاذ" التي ظلّت محظورة. من هذا الاستقرار النسبي، وبسبب تبعات الانفجار الجزائري الداخلي العنيف والمدمر (1992-2002)، ظلّت الجزائر مستقرة في عام 2011 ولم تحذُ حذو جارتيها التونسية والليبية. بالتأكيد فإن الوضع الاقتصادي الجيد ساعد الجزائر على عدم الانفجار، ولكن وفي نفس القوة فإن النزعات المحافظة على الوضع القائم التي تنشأ عند كتل اجتماعية كبيرة في أعقاب هزات اجتماعية كبرى مدمرة وفاشلة، مع الاتجاه نحو نبذ النزعات الثورية، كانت دافعاً كبيراً لكثير من الجزائريين لعدم النزول إلى الشارع في عام 2011. نذكّر بأن الجزائر كانت قد سبقت الجميع في الانتفاض على حكم العسكر المغلّف بواجهة الحزب الواحد في تشرين الأول/ أوكتوبر 1988، لتلحق بها في العام التالي وارسو وبراغ وبودابست وبوخارست. رأينا تلك النزعات المحافظة والركون الاجتماعي إلى الهدوء في أعقاب فشل مسار ربع قرن من الثورة الفرنسية إثر هزيمة نابليون بونابرت في معركة واترلو عام 1815، ولكن عندما عاد آل بوربون إلى الحكم، وهم الذين قال عنهم الفرنسيون: "لم ينسوا شيئاً، لم يغفروا شيئاً، لم يتعلّموا شيئاً"، فإن ممارساتهم التي كانت نسخة عن حكمهم في مرحلة ما قبل 14 تموز/ يوليو 1789 قد أجبرت الفرنسيين على النزول إلى الشارع في ثورة ثانية في تموز/ يوليو 1830واقتلاع آل بوربون من الحكم.
خلال "العهدة الرابعة"لعبد العزيز بوتفليقة منذ عام 2014، كانت هناك أوضاع جزائرية جديدة: رئيس مريض لم يعد مؤهلاً ذهنياً وجسدياً لممارسة مهامه، تدهور في أسعار النفط ما أنتج أوضاعاً اقتصادية مأزومة في بلد ما زال من "بلدان الاقتصاد الريعي النفطي". في العهدة الرابعة لم تعد الجزائر كما كانت في مرحلة العهود الثلاثة السابقة لبوتفليقة، حيث انقسمت السلطة من جديد إلى أجنحة متصارعة، وعادت المؤسسة العسكرية لكي تدير الأمور من خلف ستارة الرئيس المريض، وزاد الفساد في جهاز الإدارة. من المؤكد أن صراع الأجنحة في السلطة الجزائرية لم يحسم في مسار محدد، لذلك هناك اجتماع عند أطراف السلطة على ترشيح رئيس هو ميت سريرياً لولاية رئاسية خامسة، كحلّ مؤقت. هذا الترشيح يعبّر عن أزمة جهاز السلطة الجزائرية أكثر من تعبيره عن أي أمر آخر.
على ما يبدو أن انتفاض الجزائريين وكسرهم للاستثناء الجزائري لعام 2011 هو تعبير عن انتهاء النزعة المحافظة التي ولدتها عشرية الحرب الأهلية وتعبير عن عودة الجزائريين إلى تثنية ثانية لتشرين الأول/ أكتوبر 1988التي أطاحت بنية السلطة الجزائرية التي كانت حاكمة منذ 5 تموز/ يوليو 1962وقادت إلى ديمقراطية عربية جديدة أطاحها انقلاب 11كانون الثاني/ يناير 1992 ولكن ليس انقلاباً قاد إلى استقرار بل إلى اضطراب دموي ذهب ضحيته مئة ألف جزائري. ما يبدو من التظاهرات الجزائرية ضد "العهدة الخامسة"، وهي واسعة ومنتشرة في عموم الجزائر وتشمل الفئات العمرية الشابة من الجنسين، يؤشر إلى تململ اجتماعي كبير من جهاز السلطة الحاكم وإلى أن الأوضاع الجزائرية لم يعد ممكناً أن تعود إلى حكم العسكر المباشر ولا إلى رئيس مدني يتنازع معه العسكر ثم يطيحونه (تجربة أحمد بن بيلا) أو يحكم من ورائه العسكر ثم يغتالونه (مثل محمد بوضياف)، ولا إلى واجهة رئيس مريض غير قادر على ممارسة مهامه تحكم من خلف ستارته المؤسسة العسكرية.
هنا: أليس ملفتاً ترافق الانفجار السوداني مع الانفجار الجزائري، والبلدان كانا في حالة سكون عام 2011؟
*كاتب سوري