من المفيد كثيراً تأمّل التجربة التنموية اليابانية، سواء من موقع الباحث المهتم بالشأن الياباني وخاصة في مجال التطور التكنولوجي، أم من موقع «شاهد العيان» المباشر من خلال تجربة للعيش. وقد خبرتُ شخصيّاً الأمرين معاً عبر الزمن في ما تيّسر لنا من فرص. وأمكن لنا الخلوص إلى عدد من الحقائق الرئيسية تمثّل نوعاً من التلخيص لخلاصات التجربة اليابانية المعاصرة والتي يمكن أن نوجز أهمها في ما يأتي.


أولاً: التغرّب شبه الكامل للمجتمع من خلال تجربة التحديث التنموي على النمط الغربي، وخاصة لدى لأجيال الجديدة، من حيث «تمييع» الهوية اليابانية إلى حد كبير. وكما قال لي أحد الشباب في بعض ضواحي مدينة «كاما كورا»: إنه لم يعد هناك ياباني في اليابان سوى المطبخ – نحن فقط نطبخ بالطريقة اليابانية وما عدا ذلك فهو أميركي وغربي. وتتمثل الظاهرة المذكورة في:
1ــ تضاؤل مركز القيم الجماعية التقليدية في العلاقات الاجتماعية اليومية، وإن لم يحدث التدهور بالقدر نفسه في منظومة الأعمال business system ربما لارتباط ذلك بنظام العمل الصارم في المؤسسات الإنتاجية.
2ــ انحدار مكانة العائلة نسبياً في منظومة التنشئة الاجتماعية للأجيال الجديدة، وكوحدة اجتماعية مركزية.
3ــ بروز ظاهرة «مجتمع الاستهلاك» للجيل الجديد، ولكن هذا الإنفاق لا يزيد بالمعدلات التي تأملها أميركا لتحفيز الطلب على الاستيراد.
ثانياً: إن العلاقة بأميركا سلاح ذو حدين: فإن احتلال أميركا لليابان عقب هزيمتها في الحرب وفرض معاهدة سلام مذلّة عليها، قد سمح لليابان ببناء قاعدة اقتصادية قوية انطلاقاً من تكريس كل الموارد للصناعات المدنية و«تلاشي» الإنفاق العسكري خلال ربع القرن التالي للحرب.
ولكن من جهة ثانية فإن تجربة اليابان في العلاقة الخاصة بأميركا أسفرت - كما يقال – عن «عملاق اقتصادي وقزم سياسي». إن الخضوع الزائد لأميركا سياسياً وعسكرياً، ولو تحت مظلة الإنجاز الاقتصادي ومظلة فتح السوق الأميركية أمام السلع والاستثمارات اليابانية – أفرز شعوراً يابانياً بنوع من المهانة القومية. شعور غير ظاهر ولكنه يعتمل تحت السطح وبين ثنايا الصدور، وربما يؤدي إلى ردّ فعل ما في المستقبل.
ثالثاً: إن في التجربة اليابانية ميزة هامة، من وجهة النظر الاجتماعية، بالمقارنة مع أميركا وأوروبا الغربية، فالدولة ما تزال تلعب دوراً هاماً في الحياة الاجتماعية، حيث هناك نوع من الاستمرارية لنموذج دولة الرفاه المنقرضة في أميركا وأوروبا، خاصة من خلال خدمات صحية عالية المستوى ونظام فعال للتأمين الصحي، وأشغال عامة مرتفعة الوتيرة public works.
ولكن في المقابل، جهاز الدولة ذو وزن ثقيل في الاقتصاد والإدارة مع تباطؤ إيقاع الحركة لدى جهاز الإدارة العامة مما يفرض ضرورة «إعادة الهيكلة» من قبيل تقليص عدد الوزارات، ودمجها، وتفعيل التنسيق بينها.


الهوية القومية اليابانية فرضت نفسها على نظام الأعمال والإدارة

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن علامات الركود النسبي التي ألقت بظلالها في عقد التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة قد أدت إلى نتائج ما تزال بعض آثارها باقية بدرجات متفاوتة ومنها:
ــ تباطؤ نموّ (وربما في بعض القطاعات والأحيان «خفض») النفقات الاجتماعية العامة وخاصة مساهمة الحكومة في النظام الصحي القومي.
ــ ارتفاع معدل البطالة، وتُوازن الحكومة ذلك الارتفاع عن طريق دفع «الأشغال العامة، كما أشرنا.
ورغم أن معدل البطالة ما يزال منخفضاً بالمعايير العالمية وبالمقارنة مع الدول الصناعية الأخرى، إلا أن آثاره الاجتماعية – وخاصة في فترة ذروة الركود - كانت شديدة الوطء، نظراً لارتفاع وتيرة الاستغناء عن العمالة في الأجل القصير والمتوسط، ونظراً لتركز عملية الاستغناء (تحت مظلة «إعادة الهيكلة») على كبار السن من أرباب العائلات، لتقليل مخصص الأجور في موازنات الأعمال.
رابعاً: «النظام بدلاً من المجتمع»، ولتفسير ذلك نشير إلى بعدين:
أــ تقدم وتفوق «النظام الياباني» Japanese system، والذي وضع في مجال العمل عقب الحرب العالمية الثانية، وأصبح نموذجاً يحتذى للدقة والموثوقية مما جعل الأفراد يعتمدون عليه اعتماداً تاماً في تسيير حياتهم الشخصية والعائلية وعلاقاتهم الاجتماعية. ولكن ذلك أدى تدريجياً، إلى نوع من إحلال «النظام» محل «المجتمع» أي محلّ قيم المجتمع الأصلية ذات الطابع الجماعي والقائمة على التشارك والتراحم... إلخ.
ب ــ التغيّر الاجتماعي ذو الطابع «الدراماتيكي» العاصف الذي ألمّ ويلمّ بالمجتمع الياباني بسرعة شديدة تأكل الأخضر واليابس في المنظومة التقليدية للمجتمع.
خامساً: تظهر في اليابان، كما في سائر الدول الصناعية لكن ربما بدرجة أعلى، تلك الظاهرة المعروفة في علم الديموغرافيا بهرم أو شيخوخة السكان، حيث تتزايد نسبة كبار السن و«المعمّرين» إلى إجمالي حجم السكان. وهذه فئة تستقطع نصيباً عالياً من الإنفاق العام، وتستهلك نصيباً مرتفعاً نسبياً مما تم ادخاره سواء الادخار الشخصي أو الادخار العام (من خلال نظام التأمين القومي) بينما لا تساهم بطبيعة الحال في قوة العمل. وقد بدأت الدولة بالفعل منذ عقدين تقريباً في خفض مساهماتها ولو بنسب طفيفة في بعض الأنظمة الموجهة لرعاية كبار السن.
سادساً: إن عدم التكافؤ في العلاقة السياسية بين اليابان وأميركا سمح للأميركيين بالحصول على معلومات وفيرة عن الاقتصاد الياباني وخاصة من حيث أسرار نظام الابتكار الياباني، ونظام العمل في الشركات أكثر مما يحصل عليه اليابانيون من أميركا، من خلال البحوث المشتركة بين أفراد الهيئة العلمية والبحثية بين الطرفين منذ الثمانينيات. وقد أسهم ذلك في إحداث «ثغرة انكشاف» للاقتصاد الياباني، وأسهم بالتالي في إحداث التفوق التدريجي للأميركيين على اليابانيين في سباق الميزة التنافسية، مع حلول عقد التسعينيات، أو تآكل الميزة التنافسية اليابانية تدريجياً.
سابعاً: من السمات المتأصلة في التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، التي أسفرت عن نفسها في مرحلة «ما بعد الاقتصاد الـفقاعي»، أي منذ أوائل التسعينيات، هي الهشاشة المالية financial fragility وخاصة ضعف النظام المصرفي، والتوسع في القروض السهلة التي تحولت إلى قروض رديئة، وخاصة مع اتباع «سياسة خفض سعر الفائدة».

في التطور التكنولوجي والابتكاري

نلخص أبرز معالم هذه التجربة في النقاط الآتية: (1) فهمت اليابان، منذ بدء التنمية السريعة في الخمسينيات سرّ التقدم الاقتصادي الرأسمالي، وهو العمل على كسب ميزة اضافية ضد المنافسين الآخرين Rivals أي تحقيق ميزة إضافية في سباق المنافسة بين المنشآت المنتمية لعدة دول – وهذه هي «الميزة التنافسية».
ولذلك فهم التطور الاقتصادي الياباني على أنه تطور evolution على مدارج النمو الصناعي، بركوب موجة التطور الصناعي درجة درجة، والارتفاع عليها من خلال تحقيق «ابتكارات» متواصلة. ولذلك تفوقت اليابان في المنسوجات وآلات تصنيعها في الخمسينيات، ثم في الالكترونيات الاستهلاكية (في الستينيات) ثم في أشباه الموصلات والدوائر المتكاملة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات – ومعها السيارات، والهندسة الكهربائية (صناعة الأجهزة الكهربائية) والصلب وبناء السفن – وصناعة آلات الورش.
إن تأسيس ميزة تنافسية ومواصلة تنميتها، بالابتكار المتصل، هو سر التقدم الاقتصادي الياباني.
(2) عرفت اليابان أن تحقيق التفوق الاقتصادي المقارن على المنافسين يتطلب بناء استراتيجية للصمود ثم النجاح في التنافس (استراتيجية تنافسية)، ومن أهم أدواتها: سياسة أو مجموعة سياسات خاصة مرتبطة للتجارة والصناعة، واعتمد ذلك، كما أشرنا آنفاً، على جناحين:
أــ السياسة العامة Public Policy التي تولت صياغتها والاشراف على تطبيقها والمساهمة في تنفيذها عدد من الأجهزة الحكومية الرئيسية في مقدمتها: وزارة التجارة والصناعة الدولية (ميتي MITI) والتي لعبت دوراً ارشادياً رئيسياً في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، من خلال ممارسة الارشاد - القيادي (إذ صح هذا التعبير) guidance إزاء بقية أجهزة الدولة وإزاء قطاع الأعمال، وخاصة من خلال توجهات تطوير المنتج وتطوير العمليات الانتاجية، والدعم المالي الحكومي، والتوزيع القطاعي للتمويل المصرفي، وفتح قنوات التصدير والتسويق، والتفاوض مع الحكومات الاجنبية حول التجارة والاستثمار وخاصة في أميركا.
ويلاحظ أن دور «ميتي» حالياً ينحصر بدرجة عالية في كونها «مجمع المعلومات» حول التجارة والصناعة اليابانية والدولية – وتمارس تأثيرها على الحكومة والشركات اعتماداً على هذه الميزة.
وهناك أيضاً وكالة العلم والتكنولوجيا STA ووزارة التعليم والثقافة والشباب والرياضة، من خلال علاقتها التشريعية بالجامعات، إلى غير ذلك.
وهناك أداة أخرى لممارسة نفوذ «ميتى» (بالمشاركة أحياناً مع STA) وهي إقامة – ثم الاشراف على – مراكز للتفوق التكنولوجي. فهناك «وكالة العلم والتكنولوجيا – الصناعية» التابعة لــ«ميتي» والتي تشرف على مراكز أو معامل البحوث القومية National Research Laboratories، وخاصة في مدينة العلوم – تسوكوبا - أما STA فتشرف على مراكز البحث العلمي في قطاعات العلم الأساسية Basic Science وخاصة الطاقة النووية والشمسية... إلخ.
إن صياغة السياسة العامة، بتوجهاتها، وأدواتها التنظيمية، لتحقيق الاستراتيجية التنافسية بالمعنى الذي ذكرناه – هو الجناح الأول.
ب ــ بناء قدرات تكنولوجية لدى قطاع الأعمال، من خلال: مرافق للبحث والتطوير في الشركات Corporate R & D، وتشجيع التعلم من خلال الممارسة وطريقة المحاولة والخطأ Trial & Error وتشجيع المنشآت الصغيرة كثيفة البحث والتطوير، وذات النشاط في الاختراع invention والتي تقوم بترخيص اختراعاتها للمنشآت الكبيرة لقاء جني ثمرة اختراعها بفعل نظام التملك appropriation، وتقوم الشركات الكبيرة بتحويل الاختراع إلى ابتكارات من خلال تجيير الاختراع والابتكار ونقله أو نشره إلى المستخدم النهائي Diffusion.
وبناء على هذين الجناحين، قام ما سماه فريق من الباحثين في التكنولوجيا ببناء تصور مفهومي لنظام وطني للابتكار أو -ربما بتعبير أعم ولعله أحسن: المنظومة الوطنية للابتكار.
إن منظومة الابتكار الوطنية بهذا المعنى هي تجسيد لمقولة المفكر الاقتصادي، وأشهر من نظر للميزة التنافسية (وإن لم يكن أقدرهم أو أهمهم) مايكل بورتر، صاحب كتاب Comparative Advantage of Nations. وفحوى هذه المقولة أن كسب المنشآت لميزة تنافسية على الصعيد الدولي يعتمد على بناء قاعدة قومية تسمح بتطوير قطاعات في الداخل تملك الدولة فيها ميزة تنافسية بالمعنى الكامل لمصادر هذه الميزة والتي لم تعد تقتصر – كما كان عليه الحال في نظرية الميزة المقارنة – على معطيات عوامل الانتاج، بل تشمل عوامل أخرى: الطلب وهيكل السوق وسياسة الحكومة والبيئة الدولية بها.

أميركا فهمت قواعد اللعبة التي سبق أن طبّقتها اليابان

إن النقطتين السابقتين (فهم سر التقدم الاقتصادي كتطور على مقياس Scale التنافس بين المنشآت في مختلف الدول + بناء قاعدة قومية للتقدم التكنولوجي من خلال السـياسة العامة ومرافق ونشاط الشركات) تمثلان أهمية «دور الدولة» في التجربة اليابانية؛ وهذا أمر بالغ الأهمية يضع تجربة اليابان على المحك، ويبطل بعض المزاعم حول امكانية التقدم من دون دور فعال، قومي وقوي، للدولة. وبالمناسبة فقد تكرر ذلك (أي دور الدولة) في تجارب دول شرق آسيا التي تلت اليابان late comers وخاصة الصين ودول في الشرق الأقصى ثم جنوب شرق آسيا.
(3) إن الهوية القومية اليابانية فرضت نفسها على نظام الأعمال والادارة في فترة تقدم الميزة التنافسية (من الخمسينيات إلى نهاية الثمانينيات) بحيث نشأ ما أسماه بعض الباحثين «فن الادارة اليابانية». وانتشر هوس تمجيد اليابان Japano Phobia، كما تمثل في كتاب «إزرا باوند» (اليابان – الدولة رقم 1) في مطلع الثمانينيات. وذلك رغم ما يحدث من تمييع وطمس للهوية اليابانية حالياً بفعل تسارع عملية «التغريب» والأمركة.
(4) تتمثل العبقرية اليابانية في اكتساب المصدر الكامن الرئيسي ميزة التنافسية وهو العمل ثم العمل، سواء بالمعنى الاقتصادي العام labor أو بالمعنى التقني الضيق: (الشغل) work أي بذل الجهد.
إنه من خلال العمل الابتكاري وبذل الجهد (بذل الجهد بوتيرة متسارعة ولوقت ممتد على مستوى حياة الشخص والمنشأة) تحقق التطور الياباني على مقياس «دورة حياة الصناعة» حيث ركبت في بادئ الأمر صناعات ناضجة Mature في الخمسينيات، وخاصة المنسوجات والملابس، ولكن طورت فيها وفي آلاتها، انطلاقاً من عملية التقليد حتى وصلت الى وضع بصمتها الخاصة بالتجديد وحققت موقعها الخاص في المنافسة الدولية – ثم انتقلت في الستينيات والسبعينيات الى صناعات بازغة ونامية وخاصة السيارات والدوائر المتكاملة والأجهزة الكهربائية – ومن خلال الابتكار تمكنت من تحقيق مكاسب عالية، وذلك من باطن «جني ثمرة ريوع احتكار القلة»، كما يقول دعاة «نظرية السياسة الاستراتيجية في التجارة».
(5) يتبقى من إيجابيات التقدم الاقتصادي الياباني أمران:
أـــ ارتفاع الميل للادخار: إذ يدخر الفرد من دخله الشخصي في قنوات متعددة (ودائع مصرفية، ودائع توفير البريد، مشاركة في محافظ شركات استثمار الأموال... الخ).
ب ــ الموازنة بين الشغل work وبين قضاء وقت الفراغ leisure أو الترويح، وخاصة في السنوات الأخيرة. فبقدر ما أن الشغل مقدس، فإن الإجازة مقدسة أحياناً بقضائها إما في داخل اليابان وإما خارجها.

من الازدهار إلى الأزمة

ألمّت بالاقتصاد الياباني في النصف الثاني من التسعينيات وأوائل الألفية، أزمة ركودية مع انتشار وتغلغل الظواهر المصاحبة لما يسمى بالاقتصاد الفقاعي، بفعل تعلظم الأنشطة الهامشية بعيداً عن عملية التعميق التكنولوجي المتواصل وامتداد ظله الابتكاري والإبداعي. وقد بقيت بعض علامات هذه الأزمة باقية حتى الآن.
وأما عن أسباب الأزمة فتتفق معظم التحليلات على أنها تتمثل في انخفاض مستوى الطلب الاستهلاكي والاستثماري. ويميل بعض الباحثين إلى التركيز على نقص الإنفاق الاستثماري بالذات.
وقد اتجهت الحكومة بالفعل آنئذ إلى ترجيح المدخل المركب للطلب (الاستهلاكي والاستثماري). المدخل «الكينزي» وما بعد «الكينزي»، ولذلك ركزت على حقن القطاعين الانتاجي والاستهلاكي بالإنفاق الحكومي من خلال التوسع في مشروعات الأشغال العامة، ودعم البنوك ذات «القروض الرديئة»، ومواصلة تعزيز النفقات الاجتماعية وخاصة في مجال التعليم.
وإننا في الحقيقة لا نستبعد هذا السبب (أي انخفاض مستوى الطلب) ولكنا نراه السبب الظاهر فقط، أما السبب الكامن فهو تآكل التنافسية اليابانية التي قام عليها التقدم الاقتصادي – التكنولوجي، وذلك في مواجهة الشركات الأميركية بالتحديد.
إن تآكل التنافسية يؤدي إلى مزيج من الأثر الموضوعي والأثر النفسي. ويتمثل الأثر الموضوعي في نقص مستوى الربحية التي تجنيها الشركات – أو التي تعودت أن تجنيها – من ريوع احتكار القلة في الصناعات التي أخذت تمر بدورة المنتج في السبعينيات الى الثمانينيات ومطلع التسعينيات (إذا استعرنا تعبيرات نموذج دورة حياة الصناعة والمنتج industry life –cycle Model).
وأما الأثر الآخر، الأثر النفسي (= السيكولوجي) فيتمثل في نوع من الشعور بنقص «الدافعية» ومن ثم الحركية على مستوى إدارات الشركات وقيادات أو رؤساء العمال وقيادات العمل مما يؤدي إلى نقص مستوى الطاقة الانتاجية المستغلة.
ويرجع تآكل التنافسية – إذا استخدمنا أيضاً تعبيرات «دورة الحياة» – إلى أنّ الصناعات الرئيسية والتي اعتمدت عليها اليابان في بناء ميزتها التنافسية، أصبحت منذ أوائل التسعينيات تمر بدورة النضج أو الكهولة حيث تضيق فرص تمييز المنتجات أو التنوع diversity أي تضيق فرص الابتكار التكنولوجي، ويقل الطلب عليها وترتفع التكلفة... ومن ثم ينخفض مستوى الربحية.
أما أميركا ففهمت قواعد اللعبة التي سبق أن طبقتها اليابان، فركبت – وخاصة في عهد كلينتون – موجة الصناعات النامية الجديدة، وهي صناعات التكنولوجيا العالية أو «الهاي تك» – وخاصة تكنولوجيا المعلومات (الانترنت، والتجارة الالكترونية، واستخدام التكنولوجيا المعلوماتية في قطاعات الخدمات خاصة الاتصالات والتعليم وفي قطاعات الانتاج أيضاً خاصة الحاسبات) ثم التكنولوجيا الحيوية – وخاصة تطبيقاتها الدوائية، بالاضافة إلى التكنولوجيا الخضراء.
وقد تأخرت اليابان فتخلفت عن الركب الأميركي بمسافة يقدرها الباحثون تقديرات شتى، ولذا تحاول اليابان بمختلف السبل الآن أن تحقق «اللحاق» – اللحاق بآفاق الصناعات النامية ذات الامكانية التنافسية الأعلى، وهو ما يمكن أن نسميه باللحاق الثالث، إذ يسبقه لحاقان: لحاق «الميجي»، أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، ولحاق ما بعد الحرب العالمية الثانية (مرحلة التنمية السريعة حتى مطلع السبعينيات).
إن أزمة الركود ومحاولة معالجتها بالإنفاق العام، تلخصها مقولة يمكن أن أصوغها على النحو التالي: حلول كينز محل شومبيتر.
لقد كان شومبيتر (رائد نظرية الابتكار في النموذج النظري للتقدم الرأسمالي في الثلاثينيات والأربعينيات) يمثل عَلَم الفكر الاقتصادي الياباني البارز في السبعينيات والثمانينيات؛ ولكن مُذ أخذ شبح الركود يخيّم على اليابان، أصبح كينز (داعية الإنفاق العام لعلاج الركود والبطالة) هو سيد الموقف. وأصبح تحفيز الاستثمار الخاص بالذات هو المطلب الحقيقي لتحفيز الاقتصاد ككل (اقتفاءً لأثر أتْباع كينز Post-Keynesians مثل هارود – دومار).
... من الازدهار إلى الأزمة إذن، ثم معاودة التعافي خلال السنوات الأخيرة. مسيرة ثرية بالخبرات الثمينة وبالدروس المستفادة، فكيف يمكن أن يفيد منها العرب؟ هذا ما سنعالجه في الجزء الثاني من هذه الدراسة الموجزة.
* أستاذ في معهد التخطيط القومي ــ القاهرة