«تقييم التهديدات العالمي» هو تقريرٌ أميركي سنوي يقدمّه مدير المخابرات الوطنية الى مجلس الشيوخ، ويلخّص فيه رؤية أجهزة الاستخبارات المختلفة للمخاطر التي تواجه الولايات المتحدة ومصالحها حول العالم.

هذه السنة، أثار الاهتمام غياب ايران وحزب الله عن فئة «التهديدات الارهابية»، بعد أن كانت فقرات كاملة تكرّس لهما في الماضي. تمّ ذكر ايران في فئة «التهديدات الاقليمية»، مع القوى «المنافسة» الأخرى (كروسيا والصين)، أي كمجرد خصمٍ يهدد مصالح السياسة الأميركية في الخارج ويحاول «تهميش النفوذ الأميركي» في مناطق التماس. أمّا حزب الله، فلم يرد ذكره في التقرير الا كهدفٍ لهجمات «النصرة» و»داعش» في لبنان (وهي مجموعات مثلت في الدراسة التهديد «الارهابي» الجّدي).

التقرير هو مجرّد دراسة تحليلية ولا قيمة قانونية له، فهو اذاً لا يؤثّر على التصنيف الرسمي والقانوني لايران وحزب الله لدى الحكومة الأميركية، وهو المعيار الذي تعتمده في سلوكها الخارجي، ولكنّه يعكس نظرة المؤسسة الأمنية المتغيّرة الى العالم.
يجري في الولايات المتحدة حالياً، على مختلف المستويات، نقاشٌ حول النظرية الجديدة التي يجب أن تُعتمد في فهم الشرق الأوسط. من ناحية، هناك معسكر المحافظين الجدد، الذي يعتبر أن اميركا يجب أن تعامل ايران و»داعش» على قدم المساواة، بل إن ايران، كما قال نتانياهو في خطابه الشهير، أخطر بما لا يقاس من «داعش». كما أفردت «واشنطن بوست» مقالة رأي لأحد رموز المحافظين الجدد، جوشوا مورافتشيك، ليقول إن الحرب، لا المفاوضات، هي خيار اميركا الوحيد مع ايران، وأن الجمهورية الاسلامية «حكومة ايديولوجية»، لا تنفع معها الاتفاقات ولا السياسة.
تقرير الاستخبارات الأميركية يمثّل وجهة نظر معاكسة، تُسمع أكثر فأكثر في دوائر العسكريين والدبلوماسيين الأميركيين، وتقوم على تمييزٍ بين المجموعات «الشيعية» التي تدعمها ايران والمجموعات «السنية المتطرفة»، كما وصفتها الدراسة. المعسكر الايراني، بحسب هذا المنطق، عقلاني وسياسي، يمكن التعايش والتنافس معه ضمن لعبة الموازين والمصالح، فيما «المجموعات السنية» (لا تستعمل الأدبيات الأميركية تمييزات من نوع «سلفية» أو «وهابية») تمثّل «الارهاب» بصورته الجامحة التي لا يمكن التفاوض معها.
على مرّ السنين، اعتمدت الثقافة الأميركية صوراً مختلفة لـ «المسلم السيئ»، بحسب المرحلة والضرورات. فحلّ الايراني الاسلامي مكان الفلسطيني اليساري في دور «الارهابي» بعد الثورة وأزمة الرهائن عام 1979، ثمّ صار القذافي والنظام الليبي، في عهد ريغان، مثال «العربي المخيف» (صدرت تقارير صحافية أيامها تعبّر عن مخاوف المواطنين الأميركيين من هجمات ليبية داخل اميركا)، قبل أن تسود صورة «الارهاب الاسلامي» في التسعينيات.
هذه التحوّلات كلها لا تعني شيئاً كثيراً، الا لمن يفترض أن اختلافاتنا مع اميركا هي نتاج سوء فهم ثقافيّ يحلّ عبر التواصل والافهام؛ والمخابرات الأميركية لا تفضيلات مذهبية لديها (السبب الأساسي لقلق الأميركيين من «داعش» هو خطرها على حلفاء محليين، كالسعودية ومصر، وليس على البرّ الأميركي). جلّ الموضوع هو انك، حين تبني قوة ذاتية ومشروعاً ومنعةً، فإن اميركا ستضطر الى التكيّف معك، ولو مكرهة؛ امّا الضعيف والأداة ومن لا يعرف طريقه، فهو يظلّ هدفاً لــ»الغدر» الأميركي وموضوعاً للدراسات الانثروبولوجية.