«لن يهتم أحدٌ بالتفاصيل الكبيرة حال انتهاء الأحداث الجُلَل، كل ما سوف يهتمون به هو تلك التفاصيل الصغيرة التي تعنيهم»

(رابندانت طاغور)

مع مجيء عامٍ جديد عالمياً، لا شيء فلسطينياً سيتغير. قد يبدو هذا الكلام «مؤرقاً» بعض الشيء، وحزيناً للوهلة الأخرى، لكنه حقيقيٌ بالمقدار نفسه وعلى جميع الأصعدة. تظهر صورة المجتمع الفلسطيني متدرجة التلوّن، وتسعى تلك الألوان المتصارعة إلى خلق حيثيةٍ معينة تسمح لها بالسيطرة على باقي مكونات الطيف، لكن ذلك لن يحدث: 1) عبر تدخلٍ خارجي، 2) عبر تغيير داخلي حقيقي، 3) عبر تدويل قضايا محلية.
لا يعرف كثيرون عن القضية الفلسطينية إلا ما يريد الفلسطينيون ووسائل الإعلام (العربية كما الغربية) إظهاره: سلاحُ تنظيماتٍ لا سلاح لديها، منظمات وأحزاب مهترئة لا تستطيع – فعلياً - السيطرة على أفرادها (فكيف على «دولةٍ» بكاملها؟)، ومقاومة لا تقنع حلفاءها أنّها معهم حتى «تغير» جلدها كلما قدرت واستطاعت.

ولأن الشرح أمرٌ واجب فلنفصّل الأمر أكثر: تبدو حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» والسلطة الفلسطينية بمقتضاه، على أبواب مشاكل حقيقية وذات أبعاد لا تنتهي. يلازم أبو مازن وحاشيته السلطة ويسيطر عليها بقبضةٍ حديدية.
يمتلك الرجل ذو شكل «المحاسب» والموظف البيروقراطي شخصيتين مختلفتين، واحدة للإعلام وواحدة للمنظمة: فهو ناعمٌ، حثيثٌ، رقيق أمام الغرب ووسائل الإعلام، أوروبي النزعة والكلام، أما أمام «تنظيمه» فهو يعرف «الناب» السام وكيفية استعماله، لذلك لم يستطع أشد معارضيه شراسة (محمد الدحلان) أن يحوز ولو قليلاً من «انتصار» إلا في غزة حيث «يرتع» «أعداء» أبو مازن الأصليون: حركة حماس.

المخيمات في لبنان
لا تزال جزءاً من المحيط
المتفجر حوله

تبدو كلمة «أعداء» قاسيةً بعض الشيء ههنا، لكنها توصيفاً تستعمل لإيضاح المكانة التي تحظى بها الحركة الخضراء في فلسطين لدى مزاج حاكم «رام الله وجوارها» الحالي.
العام الجديد قد لا يكون مختلفاً البتة لدى الرجل، كما لدى سلطته: سيحاول رمي «مفرقعات» غير مضرة أمام الغرب (الأميركيون وتوابعهم الأوروبيون) لإقناع شعبه بأنه «الخيار الأمثل» للبقاء في سلطةٍ صنعت خصيصاً لشخصٍ مثله، وأنى يستطيع الأميركي (والصهيوني معه) إيجاد شخصيةٍ بمهارة «السادات» وليونة «قرضاي» وشكيمة «المالكي» (أمام شعبه على الأقل)؟ في الإطار عينه تبدو حظوظ دحلان أقل شيئاً فشيئاً: حاول رجل فتح القوي (في فترةٍ ما) اقناع الجميع بشيخوخة محمود عباس وبأنه الخليفة القوي والقائد الفذ الذي يستطيع «شكم» حماس وإرجاعها إلى «جحرها» بحسب تعبيره الدقيق. لكنه في الوقت نفسه، عمل على ترطيب الأجواء بين حماس والقيادة المصرية من دون نجاح، فرطبها بينها وبين القيادة الإماراتية فكافأته الحركة بالسماح له بالقيام بحركاتٍ «بهلوانية» في إماراتها في قطاع غزّة المحاصر (نعم لا يزال القطاع محاصراً حتى اللحظة: إسرائيلياً ومصرياً).
وعلى الوجهة نفسها نجد مروان البرغوثي آخر «ملوك فلسطين» قابعاً في زنزانةٍ لا يريد أحدٌ إخراجه منها، فلسطينياً هو خطرٌ حقيقيٌ مقلق لأي مسؤول، لذلك فهم لن يخرجوه ولن يسعوا لذلك أنى استطاعوا.
اسرائيلياً ليست هناك مصلحة من أي نوعٍ لإخراجه، بل إن سجنه يجعله منسياً أكثر فأكثر، فالرجل ببساطة هو آخر قادة فلسطين المحاربين، وهو النموذج «الكريه» الذي لا يريد الكيان للشعب الفلسطيني إظهاره (قارنوه مثلاً مع طبيعتي وشخصيتي أبو مازن وأبو الوليد -خالد
مشعل). حماس من جهتها لا تحوز كثيراً من محبة في الوطن العربي والعالم هذه الأيام. تأرجحت علاقة الحركة بالنظام المصري من شهر العسل إلى الطلاق المباشر والحاد.
وضعت حماس على قائمة الإرهاب سعودياً، وقطرياً تبدو مخالبها أقل تأثيراً خصوصاً بعد تنازل الأمير حمد لابنه تميم عن العرش هناك وتحييد القرضاوي وصمته.
سورياً وبعد المشاركة «اللافتة» في معارك ضد النظام تبدو إمكانية المصالحة بعيدة المنال، أما لبنانياً تميل الحركة إلى علاقة حبٍ صامتة مع حزب الله كونها تعيش «أغلب أوقاتها» في ملعبه وبين جمهوره، إذ إن أغلب المخيمات موجودة في أماكن نفوذ حزب الله (مخيمات بيروت، الجنوب، البقاع).
أما بقية دول الخليج فتعتبر أن لديها من «المشاكل» ما يكفيها كي تلتفت لقضيةٍ لم تجلب لها إلا وجع الرأس بحسب «مصدر دبلوماسيٍ خليجي» من دولة صغيرة للغاية كانت من أوائل من «دعم الثورة الفلسطينية» لكنها «طعنت في الظهر من قبل أولئك الحلفاء». تسود مقولة في الخليج أن الفلسطيني عموماً «لا يؤمن شره»، لذلك يتعرض الفلسطيني «للشيطنة» سواء «إعلامياً» أو عبر اجراءاتٍ أمنية «معقدة» بهدف إبقاء العين مفتوحةً عليه لأنه سيفعل شيئاً «يضرُ بأمن تلك البلاد التي آمنته» بحسب المصدر الدبلوماسي نفسه.
إذاً حماس «عارية» وحدها في أفق عاصفةٍ قد تهب من أي مكانٍ وفي أية لحظة.
ما هي الحلول أمامها مثلاً؟ تسعى الحركة إلى استعمال أوراقها كافة وظهرها إلى الحائط: إيرانياً تمد الحركة يدها وإن بحذرٍ ممزوجٍ بخجل. لا يعود الخجل هذا أبداً لمشاركتها في سوريا وانضمامها لحلفٍ مضادٍ لإيران، بل خوفاً من الحلف نفسه ورد فعله على تقربها من «محور الشر».
تركياً لا يبدو أن الأتراك عبر لبوسهم «الإخوانية» يرغبون في «أية متاعب» أوروبياً أو محلياً من جمهورٍ تركي يشعر بأنه يتحول إلى «نموذج إيراني» لا يرغبه.
فالشعب التركي (كما السياسيون) وإن ساورته أوهام العظمة، يفهم أنه لا يمتلك البترول «الإيراني» الذي يجعله «محرك الأحداث» ومحورها في المنطقة، لذلك كان السعي لإضعاف سوريا والعراق كي يسهل «قيادة» عالم «سني» مقابل عالم «شيعي» تقوده إيران. لكن صمود سوريا وبقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة كسر ذلك «الإطار» فكانت العودة إلى نقطة الصفر، لذلك ليس هناك من جديدٍ لحماس تركياً.
ماذا عن أوروبا إذاً؟ يبدو الجمهور الأوروبي المتعاطف جداً مع أوضاع غزّة الإنسانية «هدفاً» ذكياً للحركة، ومشروعاً - وقد يكون في لحظةٍ ما موفقاً - لكن ما لا تعرفه الحركة ولا تجيده أبداً أنها لا تمتلك أدنى حدود «القبول» بشكلها الحالي للمواطن الأوروبي العادي. فسياسيو الحركة – بجميع أطيافهم وألوانهم - يذكرون الأوروبي بكل النماذج التي «يكرهها» و«يخافها»، ولديه في عقله آلاف الأسباب لرفضها والتصويت لمنعها من الحصول على أي مساعدة وقبول.
حيث إن الحركة حتى اللحظة لا تمتلك أي شخصية «كاريزماتية» وديناميكية تجذب المواطن العادي الأوروبي (يمكن مثلاً تذكر كل المتحدثين الرسميين باسم الحركة كمثال، أو المسؤولين عن الملفات الخارجية فيها، ساعتها يسهل استيعاب الفكرة). هكذا تبدو الحركة قابعةً بين جدران غزّة وحدها مع «ألغام» العام السابق نفسها، ويبدو خيار «الانتحار» حرباً من جديد، هو خيار حماس الوحيد حتى اللحظة.
مخيماتياً وحتى اللحظة، لا تبدو الساحة مريحة البتة خصوصاً أن إعادة تجربة مشابهة لتجربة «نهر البارد» لا يمكن منعها او إيقاف حدوثها حال صيرورتها، فالمخيمات في لبنان لا تزال جزءاً من المحيط المتفجر حوله، كما أن القوى القادرة على سحب فتيل التفجّر ضعيفة أو ذات تأثيرٍ قليل. بالتأكيد حال حدوث ذلك سينسى الجميع (إعلامياً وغيره) أن الفلسطيني ليس وحده السبب في تلك المشكلة وأنَّ «اللبنانيين» الخبيئين في المخيّم هم أصل المشكلة وبيت الداء.
وسيعود الفلسطيني إلى الواجهة بصفته «مجرماً» لا بد من التخلص منه، وسيجهد سياسيون ليست لهم أدنى مصداقية إلى العمل على التجييش والتجييش المضاد. وقتها سيعود الجميع للرغبة بالحوار مع «تنظيمات» انتهت مدة صلاحيتها بصفتها «ممثلاً» عن شعبٍ بكامله لا تعرف هي نفسها عنه شيئاً.
* كاتب فلسطيني