فيروز هي لبناني


كانت ليلة جميلة من ليالي بيروت. زحف الناس من مختلف المناطق اللبنانية والبعض من دول عربية وأخرى أجنبية. فهم كانوا على يقين أن السماء في تلك الليلة ستكون أقرب الى الأرض، وأن صوتاً ملائكياً سيصفّي آذانهم وينقيها من ضوضاء صخب المدينة ومن أخبار ساسة المدينة. جاؤوا بمختلف ألوانهم ومن مختلف المناطق، البورجوازية منها والأحياء الشعبية... لم يثنِهم سعر البطاقة وقرب مقعدهم من مسرح التجلي أو بعدهم عنه. منهم من حقق حلماً ومنهم من قضى ليله ساهراً خشية أن ينتهي الليل ويأتي نهار آخر.
غصت القاعة بمن حضر... وقاطع تصفيق الحاضرين لحظات الانتظار.
إلى حين أضيئت أنوار المسرح وبانت الفرقة الموسيقية التي سترافق ذلك الصوت الملائكي العابر الى السماء... وما هي الا دقائق قليلة حتى تجلى الملاك بثوبه الابيض ورفع يده لتحية الحشد البشري وسط هيستيريا جنونية...
وما بين مقطوعات موسيقية زيادية وأغنيات عالقة في أذهان الحضور، كان صوت فيروز هو الأصدح. فأسَرَنا ولبّكنا فلم نعد نعي هل نصفق؟ هل نتفاعل غناءً؟ أم فقط نلتزم الصمت لنستمع الى مناجاة الارض للسماء؟
وإن لم تكن الاغنيات هي كلها أو نفسها التي تمنينا سماعها، فقد تمايلنا وتفاعلنا حتى حين تنهدت السيدة...
«حبيتك تنسيت النوم» هي أغنيتي المفضلة... ومع بداية كل معزوفة ظننت أنها مطلع أغنيتي... لكنني لم أسمعها ولم أحزن لذلك بل كان يكفيني ويرضيني أن سقفاً واحداً يجمعني مع لبنان... نعم فيروز هي لبناني. فمن معجم أغانيها استقيت لهجتي المحكية ومن أغنياتها رسمت صورة للبنان الجميل حيث الطير لا ينحصر دوره بالتحليق بل يتكلم ويودّي السلام الى الأحباب والغياب، وحيث الحرب لا تحدّ الحياة ولا تعدّ انكساراً بل هي دعوة إلى الحياة والمضي في زواريبها متفائلين متماسكين وعازمين «بدنا نكمل بللي بقيوا».
ومع أننا تمنينا أن نسمع لفظة لبنان من لسان ملاكنا، ومع أننا وددنا غزلاً ببيروتنا، إلا اننا نعي أن فيروز بداخلها كانت تقول «بحبك يا لبنان»، أو تناجي هواء بيروت! ففيروز ولبنان مصطلحان لا ينفصلان... فيروز ولبنان كيان واحد لا تفرقه الألوان، ولا مشكلة «ملكية فكرية» ابتدعها من هم من «عظام الرقبة» أو حماقة قضاء حرمنا سماع نخبة من أعمالك.
لفيروز برنامجها وأسبابها لأن تغني ما غنته أو لا تغني ما تمنينا سماعه... لفيروز عتبها على من يحق لها أن تعتب عليه، لكن عذراً فيروز إن عتب لبنان عليك وحملت ليلة أمس غصة في قلبه. فهو الذي لطالما سكر حين سمع صوتك يلفظ اسمه ورقص فرحاً حينما أمددتِه بالأمل.
مهى عواضة