القاهرة | الإنترنت، الذي كان أحد الأيام طاقة نور وأمل بالحرية للبشر، هل يتحول على يد الحكومات وأصحاب المصالح من كلّ نوع إلى سجن كبير، لا يسمح لرواده سوى بتداول المعلومات والحريات التي يريدها السجان؟ المشكلة ليست إصدار القوانين الخاصة بمكافحة «جرائم» الإنترنت، فالقوانين يجب أن توجد حتى لحماية الحرية، ولكن المشكلة أن القوانين توجد أساساً لحماية السلطة، والثروة، والاستبداد، والمجرمين أنفسهم أحياناً.

(محمد نهاد علم الدين ـ لبنان)

في أميركا مثلاً، قوانين الإنترنت مهووسة بمكافحة القرصنة، لأن الذين يحكمون هم أصحاب رأس المال المتضرر من القرصنة، وبمكافحة «الإرهاب الإسلامي» لأن هذا هو العدو الحالي منذ 11 سبتمبر. وفي الصين، يعيش الاقتصاد على القرصنة، بالتالي فقانون الإنترنت يركز أساساً على مكافحة حرية التعبير السياسي ومنع ومراقبة مواقع الأخبار «الأجنبية» ومواقع التواصل الاجتماعي. أخطر ما في قانون مكافحة الإنترنت الذي أقر في مصر أخيراً شيئان قد يؤدي التوسع في استخدامهما إلى كوارث بشرية: الأول هو نص المادة السابعة التي تعطي الحق للجهات الأمنية بمنع أي موقع واعتقال صاحبه، أو مستخدم له، حتى دون استصدار تصريح قضائي، ثم تقديم «المحضر»، أي حيثيات القرار، للمحكمة بعد ذلك بـ48 ساعة. ما يحدث عادة في هذه الحالات، أنّه تتم الحجب والمداهمة والاعتقال، ثم يتعين على من قاموا بذلك تبرير ما فعلوه بأدلة. وإذا تبين خطأهم أو تسرعهم أو عدم توافر أدلة، قاموا بتلفيقها، عمداً أو عن غير عمد، بحكم العداء والخصومة التي حدثت بينهم وبين من قاموا باعتقالهم وحجب موقعهم. الفكرة التي يكرسها القانون هنا هي توفير مناخ عداء بين رجال القانون والمواطنين بالضرورة، طالما أن من حق الأمن الحجب والاعتقال أولاً، ثم البحث عن السبب بعد ذلك!
يمنح القانون للمواطن حق التظلم للمحكمة من قرارات الحجب والاعتقال. لكن ما يحدث عادة أن القاضي يجد نفسه حائراً بين «الأدلة» والمبررات التي يعرضها الأمن، وبين ادعاء المواطن بالبراءة، فينحاز غالباً لرفاقه من رجال القانون والسلطة، أو على الأقل يترك الأمر على ما هو عليه، أي استمرار الحجب والاعتقال، من باب الاحتراس، لأن ظلم مواطن أهون بكثير من تعرض الأمن القومي للخطر!
أما المادة الخطيرة الثانية، فهي الخامسة عشرة التي تحمل عنوان «جريمة الدخول غير المشروع». وتنص على أنّه «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن 50 ألفاً ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، كل من دخل عمداً أو دخل بخطأ غير عمدي وبقي بدون وجه حق، على موقع أو حساب خاص أو نظام معلوماتي محظور الدخول عليه». أي إن العقوبة هنا تنفذ ضد من يدخل «بالخطأ» على موقع «محظور»، لا يعلم أنه محظور ولا يعلم محتويات هذا الموقع. أمر يتناقض مع طبيعة التصفح عبر الانترنت الذي يتسم بالعشوائية والارتجال والبحث عن المجهول غالباً. ومعنى ذلك أنه سيكون هناك الكثير من الضحايا الأبرياء، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا عدم الثقة وعدم الاحترام السائدين من قبل رجال القانون تجاه المواطنين. أضف لذلك نص القانون الذي يعاقب أي فعل «يضر بالأمن القومي أو المركز الاقتصادي أو الوحدة الوطنية أو سلامة المجتمع وأمنه»، وهي كما نرى نصوص «مطاطية» يمكن أن يوصف بها أي عمل أو سلوك أو قول. وعليه، نستنتج من هذا أن أي فعل أو قول يمكن أن يصدر عن المرء ويرى أي مسؤول أمني أو مسؤول في الجهاز القومي للاتصالات أن هذا الفعل أو القول يندرج تحت بنود القانون، فإن صاحبه قد يتعرّض للعقوبات الواردة أعلاه. أمر يشيع الخوف في نفوس المواطنين بشكل يشلّ قدراتهم وطاقاتهم، كما يشيع التربص والتجاوز لدى رجال القانون تجاه المواطنين... فأي رعب أكبر من هذا يمكن أن يجيء؟