ترجمة: سمير طاهر
أمتلك بضع رسائل أرعاها بحنان. هي ليست كثيرة، لكنها تمتدّ على فترة عشرين عاماً. والمرسل هو الشاعر ستيغ خودين. تحمل الرسالة الأولى تأريخاً من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1971 ويستهلّها هكذا: «أخي في الطرق الأشد عسراً». كنت في الثالثة والعشرين من عمري، أشتغل في مصنع الحديد في بلدة ساندفيكن، ولا أزال أسكن مع والدَيَّ، ووقتها كتبت أولى قصائدي على قُصاصات ورق وأنا أقف عند الماكينة التي تسحج شرائط الفولاذ، وقامت خطيبتي بطباعتها على الآلة الطابعة خاصتها. وتصادف أن رأى الرجل الذي سيصبح زوج والدتي، والذي كان عاملاً مثقفاً في مصنع الحديد ذاته، كتاباتي الخرقاء تلك، وأقنعني بأن أرافقه الى مكتبة ساندفيكن العامة لأستمع الى شاعر حقيقي من استوكهولم.


ألقى الشاعر بعضاً من قصائد مجموعته الشعرية «اللغة الواضحة»، وكان ذلك أول لقاء لي بالشاعر ستيغ خودين. كنت مرتبكاً ومتردداً، فقد كنت أكنّ له احتراماً كبيراً. لكنه تحدث معي بلطف، وأخذ معه قصائدي السبع الى بيته في استوكهولم وأجابني برسالة مشجّعة:
«... يجب أن ترسل قصائدك الى الصحف والمجلات لكي تختبر المكان الذي تقف فيه. سيعيدون إليك القصائد (لن ينشروها)، ولكن في كل مرة ستشد المهر الى العربة – وبعدها ستتحسّن. وشيئاً فشيئاً ستحدث ثغرات في مقاومتهم لك».
فعلت كما قال وأرسلت قصائدي الى ثلاث مجلات نقابية: عمال المعادن، والعمال الحكوميون وعمال البناء. ورغم أن ستيغ خودين قال إنهم سيعيدون إليّ قصائدي، إلا أن ما حصل هو أنّ كل المجلات النقابية الثلاث قد اشترت قصائد مني! ثلاثتها! المشكلة أنها جميعاً اشترت القصائد نفسها. وكنت مجبراً على الاتصال بالأقسام الثقافية - التي كان لها وجود في الصحافة النقابية في ذلك الوقت - والاعتراف بخطئي، والإقرار لهم بأنني مبتدئ. إلا أنّ المحررين كانوا في غاية اللطف مع عامل مصنع الحديد ذي الثلاثة والعشرين عاماً من ساندفيكن، وأعدنا تسمية كل قصيدة بحيث إنها تدعى باسم مختلف في المجلات الثلاث. كانت هذه هي بداية حياتي كأديب. وكان الشاعر ستيغ خودين هو الذي دفعني الى أن أجرؤ.

لغة خودين الحديثة تتلألأ وتُطلق الشرر بوضوح وتركيز كأنّها عمليات مصنع الحديد وآلاته

آخر رسائله مؤرّخة في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، أي بعد أكثر من 20 سنة من تلك الذكرى. كنت وقتها قد ترسّخت ككاتب متفرغ وأصدرت مجموعات شعرية وروايات، وصار الشاعر ستيغ خودين صديقي ومثلي الأعلى. في ذلك الوقت، علم ستيغ بأنه مصاب بسرطان الرئة فكتب إليّ:
«رغم أن هذا السرطان اللعين الذي كنت أسحبه في دخان السجائر يقول بأنه يقف ساكناً في صور الأشعة، إلا أني أعتقد على كل حال أن تنفّسي يزداد ثقلاً. من الممكن أن يكون هذا خطأ الطقس الجميل لتشرين الثاني (نوفمبر)، حيث في الخارج رماديٌّ في رماديّ مع مطر وطقس يذكّر بقرحة المعدة، وفي الداخل لا عزف لأية موسيقى».
بعد بضعة أشهر، وصلت بالبريد مجموعته «كتاب الطب الشعبي، رحلة النزول» موقّعة بإهدائه. وبعدها بثلاثة أسابيع، جاء خبر وفاته، فحضرت تشييعه في استوكهولم وأنا أحس كما لو أنني كنت أدفن أبي للمرة الثانية. يظن كثيرون أن مجموعته «قطعة من سخام» هي إصداره الأول. لكنه كان قد أصدر قبلها مجموعتين: «السائر في نومه» (1945) و«عِظة الصيف» (1947)، وكلتاهما شديدتا التأثر بالحداثيين السويديين من أصل فنلندي مثل أديث سودرغران وإلمير ديكتونيوس وغونار بيورلين. ولكن مجموعة «قطعة من سخام» التي صدرت عام 1949 هي التي لفتت الأنظار، عن جدارة، إلى ستيغ خودين الشاعر العمّالي. فقد استيقظ نقّاد البلاد متفاجئين وهم يرون ظاهرة «القصيدة العمالية» تكتسب حياة جديدة بعدما حسب كثيرون أنها انتهت. وهذه المرة، لم يكن الأمر مجرد تكرار للنماذج القديمة (كالشعر الغنائي الرومانسي عن عمّال الفحم، أو الشعر المثالي الموزون الذي تردّده التظاهرات الشعبية)، فصدور تلك المجموعة أشعل المواجهة بين قراء الشعر الغنائي ولغة خودين الحديثة، فهي لغة تتلألأ وتطلق الشرر بوضوح وتركيز كأنها عمليات مصنع الحديد وآلاته. ورأى هؤلاء القراء، في الوقت نفسه، في شعر خودين شغفاً وواقعية لاذعة لم تختطفها سوداوية ما. يمكن القول بأن ستيغ خودين قد حقّق في مجموعة «قطعة من سخام» أول تصوير شعري لعمال الصناعة الحديثة. فقد أتاح لهم أن يقتحموا، متسخين ومعروقين وبثياب العمل فحسب، الصالونات الأدبية الزاهية. وعندها فقط، تبيّن سكان ساندفيكن أنهم كانوا يربّون في أحضانهم شاعراً عمالياً.
خودين شاعر حسّي إلى درجة كبيرة. تجد طعم ورائحة ساندفيكن حاضريْن على الدوام في شعره. كما أنّه شاعر غنائي فريد في موضوعَي الحب والطبيعة. وطالما كان النقد الاجتماعي وقضايا البيئة مواضيع متكررة في أدبه. وأثناء توليه تحرير المجلة النقابية «عمال صناعة الغابات»، كان يشحذ الحجج التي لا تزال صالحة حتى اليوم. لقد كان يمتلك مساحة فكرية وإبداعية أوسع مما لدى غالبية الشعراء.
مثل كل الشبان المستخدَمين في ساندفيكن، بدأ ستيغ يعمل في مصنع الحديد الكبير بعد انتهاء يومه المدرسي. كان هذا في بداية الثلاثينيات. كان اختيار هذا الطريق سهلاً، إذ من حيث المبدأ لم يكن ثمة اختيار آخر. فأن تنشأ في أسرة عمّالية تعمل في مصنع البلدة، يعني أنك سترث أيضاً هذا المستقبل، الذي هو مستقبل جيرانك ورفاقك وأقربائك. فكان شاعر المستقبل هذا يخزّن التجارب المهمة في تلك الأقسام المسخّمة في مصنع الحديد، ويعمل طوال تلك الفترة الطويلة – سبع سنوات – في مصنع الأنابيب. وشيئاً فشيئاً، كانت الحاجة إلى كتابة الشعر تؤكد نفسها. من المؤكد أن تلك الحاجة كانت، إلى درجة كبيرة، هروباً من الواقع القاسي.
قد تكون الأحداث المهمة في مرحلة المراهقة لمعظم الناس هي الحب الأول أو أول رحلة أو ما شابه، لكن بالنسبة إلى ستيغ خودين كان حدثه المهم لقطة من حياته اليومية، لقطة مختلفة ومميزة جداً. كان قد تحدّث في أكثر من مناسبة عن اليوم الذي توجّه فيه إلى زميل العمل الأكبر سناً والواقف عند ماكينة صنع الأنابيب وسأله السؤال الروتيني: كيف يجري العمل؟ كان سؤاله في جملة يومية عادية، لكن الرد الذي تلقّاه من زميله هذه المرة كان بالنسبة إليه حاسماً، وسيظل حاسماً لبقية حياته: «اسمع، ستيغ، لقد وقفت في هذا المكان خمساً وعشرين سنة وأنا أضع المواد المصنِّعة للأنابيب في هذه الفتحة، ولا تمتلئ هذه الفتحة أبداً!». لقد صرخ زميل العمل بالرسالة. فبتلك الكلمات كان يصف مستقبل ستيغ في مصنع الحديد. كانت تلك هي اللحظة التي قرّر فيها أن يصير شاعراً وبدأ «يتمرن على السلم الموسيقي» على حدّ تعبيره. لكنه لم يجرؤ أبداً على أن يخبر أحداً من محيطه بأنه يكتب الشعر. لم يرغب بأن يبدو للآخرين مختلفاً، غريب الأطوار.
النقد الاجتماعي وقضايا البيئة مواضيع متكرّرة في أدبه


وصف ستيغ وضعه العاطفي كعامل شاب بقوله: «الكثير من الخوف، شيء من الغضب الأعمى وقدر هائل من المثالية». وكان يتوقّع النقد الذي يمكن أن يناله من زملاء العمل لو علموا بالتزامه ونشاطه في اتحاد الشبيبة الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الدراسي العمالي، إذ كانوا سيعلقون بالقول مثلاً: «البعض يفعل أي شيء كان لكي لا يعمل!». ولا أحد يمكنه أن لا يتأثر بهكذا تعليقات قاسية، ولا حتى ستيغ، ولذا آثر الصمت.
من خلال النشاط السياسي، والدورات الدراسية في المدرسة العليا الشعبية، انفصل عن موروثه الاجتماعي الذي كان يطبع كينونة الجميع في المجتمع العمالي وقتذاك، وربما اليوم أيضاً. وفي سنة 1943، انتقل إلى استوكهولم وظل يعيش فيها بقية حياته.
عندما جاء إلى العاصمة، باع الكثير من القصائد والمقالات إلى الصحافة النقابية، وعمل موظفاً في البريد، ثم عاملاً في ورشة، قبل أن يبدأ ظهوره الأدبي في النهاية. عندما ظهرت مجموعة «قطعة من سخام» سنة 1949، كان ستيغ خودين يخلق شكلاً جديداً تماماً من القصيدة العمالية، رغم محاولات النقاد البورجوازيين أن يعثروا في شعره على آثار للشاعر الأميركي إدغار لي ماسترز (1868 – 1950) في مراثيه المتخيّلة التي ضمتها مجموعته المعروفة «أنطولوجيا نهر سبون».
لك أن تشك في أن ستيغ خودين ــــ بفضل مجموعته «قطعة من سخام» ــــ قد وجد لغته واتّبع الطريق الممهد بسرعة مستريحة، ولكن المجموعة التي تلتها، «الزيارة الليلية»، كانت مختلفة كثيراً عمّا سبقها. فهي لم تبد، بأي شكل من الأشكال، كاعتذار يقدمه لأولئك الذين، في عقد الأربعينيات، رأوا أنه «كتب مجرد أهاجٍ عن مصنع الحديد»، وإنما بدت ــ بالأحرى ــ بمثابة خشيةٍ من أن تتم موضعته في خانة سياسية تجعل منه «شاعراً مستخدَماً» من الدرجة الثانية. لقد أراد أن يكون حراً تماماً في شعريته. وبدلاً من قرقعة مصنع الحديد وسخامه، أبرزت مجموعة «الزيارة الليلية» أنّ مثله الأعلى الآن، ومنطلقه، هو جدته. إنه يصفها بـ «التقية، الوثنية، المستقيمة، الممتلئة بأساليب الكلام والمعتقدات الشعبية». كانت جدته بالتأكيد تعني الكثير جداً له، وقد منحها مكاناً خاصاً في آخر مجموعة شعرية أصدرها. «جرى افتتاحي وإدخالي الى الحياة على يد جدتي» يقول.
بعد مجموعتين شعريتين أخريين، صمت ستيغ. ظنّ بعضهم أن هذا الصمت سيدوم إلى الأبد. صحيح أنه كتب موادّ صحافية، ومقدمات وأشياء أخرى، لكن الشعر اختفى تقريباً. كانت 11 سنة من الصمت. تحدّث في مقال له عن مشكلة إدمانه الخمر. لكنه في ما بعد تخلص من التعلق بالخمر. ثم أخبرني بأنه يرى مجموعته الشعرية «خيمة الحور الرجراج» الصادرة عام 1959 بمثابة طريق مسدود، فكيف سيواصل ويعثر على لغة ومنصة لمجموعات شعرية قادمة؟
وجاءت العودة مقنعة جداً. في نجاحه الثاني مع مجموعته «هل عندكم مشاكل مع العَلَم؟» الصادرة سنة 1970 يعلن، ومن البداية، رؤيته الجديدة التي تأتيه مثل صوت في مقبرة:
«كل ما عليك فعله هو المضي قُدُماً باستقامة
امض قُدُماً باستقامة ثم إلى اليسار نحو القلب
وتجاهَل الطيور،
فلا أحد يقدر أن يفسر كلامها.
موضوعك هو الناس،
مِن عِندهم ستأتي بالكلمات،
وعندئذ ستكون حاضراً».
كان الأمر كأن ستيغ، وبعد كل تلك السنين، قد وصل الى يقين بأنه ينتمي ــ برغم كل شيء ــ إلى أجواء لغة مجموعته «قطعة من سخام»، بين السقوف المسخَّمة والناس العاديين. إنه ــ في الحقيقة ـــ ذلك الإدراك القديم بعدم قدرة المرء على الهروب من أصله، فهو المكان الذي تختزن فيه لغته.
فقط في هذه المجموعة (هل عندكم مشاكل مع العَلَم؟)، يعود إلى المصنع وإلى قصيدة البورتريت. وبعد ثلاث سنوات، تصدر مجموعته «طعم الحياة القوي» التي أعاد فيها كتابة مفهوم الرتابة انطلاقاً من تجربته الخاصة. في مجموعته الأخرى «ورق الحائط التوضيحي»، تكون الشخصية المحورية لإحدى قصائده هي شخصية حدّاد مصهر الحديد. وفي مجموعة «رسائل اللحاء» (نسبة إلى الرسائل التي كانت تُكتب على لحاء الشجر في العصور الوسطى) الصادرة عام 1988، تضيء قصائد البورتريت مكلّلة تجربة الشاعر العجوز، الذي تتعمق جاذبيته وحضوره يوماً بعد يوم. وبدا كأن الشاعر قد وصل أخيراً إلى بيته.
توفي ستيغ خودين بسرطان الرئة عام 1993 ودُفن في استوكهولم. وعلى قبره كُتِبت هذه الكلمات المقتبسة من شعره:
«من خلال وصفنا للحب، نُعجِز الخوفَ».

(*) بيرنت أولوف أندرسون: كاتب روائي ومسرحي وشاعر سويدي.
ــــ نُشرت المقالة في مجلة «كلاس» السويدية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا