تؤكّد لنا مراجع لها علاقة بتاريخ التواصل والإعلام أن الصور النمطيّة الجامدة، تمنع المرء كما المجتمع من التقدم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. لو أخذنا مثالاً وسائل الإعلام في لبنان، نلحظ أنها عوضاً عن مساهمتها في دفع عجلة التغيير المجتمعيّ من خلال مضامين تعكس ثقافة شعبيّة أكثر نضجاً ونقداً، أو عبر توجهات تحثّ على المواطنة السليمة ومبنيّة على فكر الحريّة والشراكة المجتمعيّة، غير أنه على عكس كلّ ما ذكرناه سابقاً، تشكّل هذه الوسائل مضمونها وفق توجه نفوذ ما، أو رأس مالٍ معين يحدّد ما يُسمح بالتحدث به وكيفيته، ضمن إطار أسهم في تعميق فكرة التبعيّة والطبقيّة لثقافة غوغائيّة تبغى الربح من دون العطاء.

تشتهر في لبنان البرامج الحواريّة سواء على شاشة التلفزيون أو عبر الراديو، وتتخذ بمعظمها طابعاً جدالياً بين ضيف أو أكثر خلال الحلقة، وإن كانت بعض برامج الراديو تعتمد على الحوار عبر الهاتف مع مستمعات ومستمعين وهم يتجهون إلى عملهم خلال فترة الصباح الأولى؛ وٍتنطلق أغلب البرامج الحواريّة التلفزيونيّة المسائيّة من مبدأ جعل المجال الخاص، عاماً للغاية. وبذلك يُستعاض بالعمل على كشف حقيقة أزمة اجتماعيّة والتحقّق من سببها ونتائجها، بقصص علاقاتٍ حميمة ومؤثرّة تحت عناوين مختلفة:
هي ليلة ليلاء، سنكتشف خلالها المستور وغير المرغوب بسماعه، سنقضي على الحقيقة بتجاوزها، ونعرف سبب الخلاف بين أختين، كيف اكتشفت إحدى النساء أنها مثليّة. في هذه الحلقة سننتقد ثوباً وسنتحدث عن إطلالة لإحدى الشهيرات (الشهرة هنا وفق أداة قياس المحطة وميزانها)، عن حياة جنسيّة وعن أكلة مفضلّة...

«من أجل ثورة ظافرة لا محالة» لحسن بزون

لهذه البرامج خواصها، فهي تخدم المستهلك من خلال التسلية بالعواطف والجذب عبر ما يُسمى بالـEmotainment، فيسلّط الضوء على تجربة شخصيّة للإيحاء المتابعات والمتابعين للبرنامج بحقيقة القصّة التي يتشاركها الضيف/ة مع المضيف/ة مع إضافة صبغة الحميميّة حيناً أو الانفعال أحياناً أخرى على الحديث.
ولن نستغرب عندما تمتدّ حلقة نحو نصف ساعة (أو أكثر)، يحاول فيها المضيف أن يقنع المضيفة بضرورة المصالحة بعد طول انقطاع بين شقيقتين! أو أن تخضع سيّدة لنوع من المساءلة العلنيّة من ثلاثة رجال عن حياتها الجنسيّة وعدد علاقتها في اليوم الواحد! وأخرى تتحدث عن جرأتها في العلاقات مع الرجال كما انفتاحها، ويأتي السؤال المنتظر: «هل أنت مرتبطة بعلاقة حالياً؟» و«لماذا ما زلت عزباء أو من دون زوج؟» لنصل إلى السؤال الأكثر جرأة: «هل أنت مع العلاقات الجنسيّة قبل الزواج؟».
كأن المسائل الشخصيّة هي قصص جديرة (مع أهميتها للأفراد) بالمصلحة العامة، كأن الحقيقة تخضع وتتبع للتجارب والمشاعر الخاصّة.
تنسج وسائل الإعلام رسائلها التي سرعان ما تنتشر بطرق مختلفة كجزء من حياتنا اليوميّة؛ فتشارك عن قصد أو غير قصد في تكوين وجهة نظرنا تجاه الآخر وتأطير هذا التكوين. وقد يخلق هذا الواقع صوراً ومفاهيم نمطيّة كأفكار ثابتة موروثات أو معتقدات. وقد لا يظهر التنميط من لا شيء، وقد يكون نتاج نواة حقيقة ما، لكن أغلب الظن أن هذه النواة تتحول في معظم الأحيان إلى افتراضات (سلبيّة أو إيجابيّة) كأساسٍ في تشكيل صور منمّطة.
ونستخلص بمجرد متابعة بعض البرامج اللبنانيّة التي يتمّ وضعها محلياً ضمن فئة البرامج الاجتماعيّة، وجود تمييز قائم على النوع الاجتماعي، مع غياب لتمثيل حقيقي لدور النساء كما الرجال ونزف كبير للحقيقة التي تغيب عن الشاشة كأن الإعلام في لبنان يلعب دوراً سلبياً في تقديم سيناريو لا يعكس الواقع بل هو في الحقيقة وهم كبير. وننتهي كأننا نتابع حديثاً خاصاً في دار بين صديقات وأصدقاء نعتقد أنهم من أهل الثقة.
النساء في الحقل العام
في أحد البرامج التلفزيونية، يقبّل المضيف ضيفته ويعلن أنه يفعل بذلك بناءً على طلب المخرج كونها جميلة جداً. ويستمرّ الحديث لتعلن الضيفة أن جمالها يُمثل نعمة للمجتمع، ويسأل المقدم ما لم يكن في الحسبان وغير متوقعٍ أبداً في برامج مماثلة: «هل ساعدك جمالك في مسيرتك الفنيّة؟».
يبدو كأن تبني هذه الصيغة الخطابيّة في قالب ثرثرة خاصّة ضمن نظام مؤسّسات ووسائل إعلام يملكها ويتحكّم بها رجال أو فكر ذكوريّ هي لترويض الرأيّ العام أولاً، والسيطرة ثانياً على شبكة التواصل عبر مخاطبة جمهور نصفه من السيدات. هو سياسة عامّة استراتيجيتها التواصليّة «الترفيه التافه» مثل كوميديا مأساوية شعارها الأخطاء المتكرّرة ولا تقدم شيئاً سوى إعادة إنتاج قوالب نمطيّة للمرأة.
يقبّل المضيف ضيفته ويعلن أنه يقوم بذلك بناءً على طلب المخرج كونها جميلة جداً


كتب الشاعر الروماني القديم جوفينال: «شيئان يرغب الجمهور بالحصول عليهما بفارغ الصبر: الخبز وحلبة السيرك». كان ذلك تعليقاً على سياسة أباطرة روما القديمة، الذين اعتمدوا سياسة تشتيت البوصلة وإلهاء الشعوب عبر تقديم التسلية والطعام خلال مهرجانات الكولوسيوم لمواطنات ومواطنين نسوا أو تناسوا واجباتهم الوطنيّة.
أخيراً وبالعودة إلى برامج التلفزيون في لبنان، تميّز عالمة الاجتماع والتواصل الألمانيّة إليزابيث كلاوس في تحليلها لمعنى وجود المرأة في وسائل إعلام وبرامج شبيهة بالتي ذكرناها بين مفهوم «النساء في الحقل العام» و«النسويات في الحقل العام» وشتان بين الاثنين في الحياة اليوميّة. تتناول كلاوس فكرة «العام» كعملية تفاوض تواصليّة، لا تهدأ ولا تستكين. وتسعى هذه البرامج إلى بناء واقع مركّب ضمن معايير وقواعد للعيش معاً لا تشبه الحقيقة: فلا يتمّ بالفعل التطرق للعلاقات الجندريّة كما هي، ولا نسمع عن تبادل الأدوار بشكل واعٍ، ولا تُقدم تجارب حياتيّة يوميّة تؤكّد أن المرأة جزء من هذا المجتمع لا فعل إضافة بقرارٍ ما. بل نكتفي بوصف مجموعات نسائيّة خارج إطار التمثيل الحقيقيّ كوضع عام للنساء كتجسيد لنزعةٍ أبوية للسيطرة، وكفعل إلهاء عن المشاركة الحقيقيّة في المجتمع وتحقيق المواطنة.

* باحثة وطالبة دكتوراه في «جامعة إيرفورت»، ألمانيا